ما الذي يجمع بين الإرهابيين الذين حاولوا ضرب الأراضي الأميركية في 2009؟ ما صلتهم بالشرق الأوسط الذي كثيراً ما يصور على أنه مهد التشدد؟

ما الذي يربط عمر فاروق عبد المطلب، الرجل المولود في نيجيريا، والمتعلم في بريطانيا، والمدرب في اليمن، والمتهم بالمحاولة الفاشلة لتفجير طائرة في يوم عيد الميلاد، وأنور العولقي الذي يحمل شهادة جامعية في الهندسة من جامعة كولورادو الأميركية.

ونضال مالك حسن الطبيب النفسي في الجيش الأميركي من أصل فلسطيني، والمتهم بقتل عدد من الجنود في قاعدة فورت هود بولاية تكساس في نوفمبر الماضي؟

لكي نفهم أبعاد القضية، يجب أن نأخذ في الاعتبار أيضاً الناشطين الأقل شهرة، مثل دانييل باتريك بويد، المواطن الأميركي الأبيض الذي اعتنق الإسلام، والمتهم بقيادة جماعة جهادية في نورث كارولينا.

وبراينت نيل فيناس، المواطن الأميركي الهسباني الذي أدين العام الماضي بمساعدة القاعدة وبتهم أخرى متعلقة بالإرهاب. هؤلاء الرجال ليسوا مسلمين شرق أوسطيين ورعين، غادروا مجتمعاً عربياً أصولياً مزقته الحروب لكي يهاجموا الغرب.

ومعظمهم ليست له سوى صلة بعيدة بالشرق الأوسط. والملاحظ أن معتنقي الإسلام الجدد ممثلون أكثر من غيرهم في صفوف نشطاء القاعدة، بدءاً من خوسيه باديلا، إلى ديرين باروت الذي حكم عليه بالسجن في بريطانيا، بعد إدانته بالتخطيط لتفجير بورصة نيويورك (ومواقع أخرى).

كيف يمكن الوصل بين كل هذه النقاط؟

أولاً، هؤلاء كلهم شبان معولمون، يتماهون مع أمة مسلمة افتراضية موجودة فقط في مخيلتهم. وغالباً ما يمضون حياتهم في مثلث جغرافي: فأصول عوائلهم من بلد، وهم ينتقلون إلى بلد ثانٍ في الغرب (أو مولودون هناك)، حيث يتم استدراجهم إلى التطرف الفكري، ثم يذهبون للقتال في بلد ثالث.

وفي الحقيقة، فإنه لا باكستان ولا اليمن ولا أفغانستان، هي الموطن الأساسي للتطرف. فهم يذهبون إلى هناك بعد أن يكونوا قد تطرفوا في الغرب أو في بيئة غربية. والتطرف لا يحدث في محيط سياسي ملموس مع أشخاص حقيقيين، لكن في تجربة انزواء وعزلة في مجتمع افتراضي، هو مجتمع «الأمة» على الشبكة.

عبد المطلب النيجيري تعلم في مدرسة انجليزية دولية في مقاطعة تتحدث الفرنسية، قبل أن ينتقل إلى بريطانيا. وديرن باروت جاء من عائلة هندوسية مقيمة في إفريقيا، وتلقى تعليمه في بريطانيا حيث اعتنق الإسلام هناك.

ولذلك فإن اللغة الإنجليزية هي لغة التواصل في هذا السياق. فهؤلاء ليست لهم أية صلة دائمة بأي بلد محدد، وكما كانت حال أسلافهم في التسعينيات، فهم يهاجرون من جهاد إلى آخر، ويستخدمون معسكرات التدريب أينما توفرت.

ولا ينغمسون البتة في النشاط السياسي المحلي في البلدان التي يتدربون فيها أو يقيمون. ثم إن غضبهم ليس تعبيراً عن سخط مجتمع حقيقي، وإنما مجتمع افتراضي. ويبرز هنا عامل الجيل بشكل واضح؛ فمعظم المتطرفين منفصلون عن عائلاتهم أو تائهون.

كما يظهر لنا من ذهول العديد من الآباء، من أمثال والد عبد المطلب الذي كان قد حذر السفارة الأميركية من ابنه. إذن، فإسلام هؤلاء الشبان هو إسلام معاد الصياغة، وليس إسلاماً منقولاً من الماضي. ولذلك فهم لا يشيرون أبداً إلى التقاليد أو إلى الإسلام التقليدي.

ولا يتطرقون إلى ذكر الفتاوى من المراجع الشرعية المعترف بها. وهم يتصرفون على أساس فردي، وخارج الروابط الاجتماعية المعتادة (العائلة، المسجد، والجمعيات الإسلامية)، وعادة ما ينأون بأنفسهم عن أية مجموعة اجتماعية.

إنهم رحّالة متوحدون، لا يتدخلون في العمل السياسي أو الاجتماعي أو حتى الإسناد الديني. ويعوضون عن هذا الفراغ الاجتماعي، بتكوين صلات شخصية قوية مع أصدقاء وثيقين، إما من مجموعة رفاق ضيقة (مثل منفذي هجمات 11 سبتمبر ومنفذي تفجيرات لندن 2005)، من معسكر تدريب في مكان ناء في باكستان، أو عن طريق مجرد الدردشة على شبكة الإنترنت.

وبعد حياة «طبيعية» عادية، يتحول هؤلاء فجأة إلى العنف. إنهم أشخاص فاشلون سيكولوجيا، مستأصلون من جذورهم، اختاروا أن يصبحوا بموتهم أبطالاً وهميين لأمة افتراضية.

وهناك شيء محير في القاعدة، وهو استراتيجية «الطلقة الواحدة»، التي تحرمها من أشخاص أذكياء لامعين، ربما كان يمكن أن تكون لهم فائدة أكبر على المدى البعيد لو بقوا على قيد الحياة.

وأحدث مثال على ذلك، الأردني الذي فجر نفسه في قاعدة للاستخبارات الأميركية المركزية في أفغانستان، من أجل تحقيق نجاح مدوّ، لكن قصير الأجل. وكان بوسع قيادة القاعدة أن تستفيد منه بشكل أفضل بكثير على المدى البعيد، لو أبقت عليه كجاسوس مزدوج. وهنا يبرز الإرهاب الانتحاري لا كتكتيك، بل كغاية في حد ذاته، وكجزء من منظومة التحفيز.

ويشير هذا إلى أنه ليس للقاعدة أية استراتيجية سياسية لتأسيس دولة إسلامية، فهي لا تلعب دور الطليعة في قيادة الصراعات في الشرق الأوسط، وإنما تقاتل في عالمها الخاص. لديها عدو عالمي هو الغرب، وليست الأنظمة الحاكمة المحلية.

وبدلاً من الترويج لخلافة إسلامية إقليمية في الشرق الأوسط، كرست القاعدة نفسها للكفاح العالمي ضد القوة العالمية، الولايات المتحدة، مواصلة بذلك مسيرة الكفاحات الراديكالية المضادة للإمبريالية، التي شاعت في الستينيات والسبعينيات على أيدي أمثال تشي جيفارا وعصابة بادر ماينهوف.

إن الاعتبارات الأيديولجية لا تلعب دوراً كبيرا في آلية استدراج الشباب الجهادي الدولي إلى التطرف، حيث يتم اجتذاب هؤلاء بالحكاية لا بالأيديولوجية؛ حكاية أمة عالمية تعاني ولا يكترث بها أحد. وحكاية الثائر المنتقم الوحيد، البطل، الذي يستطيع الانعتاق من حياة لا تسره، بتحقيق الشهرة والهروب من عالم لا مكان له فيه.

وإذا أطلقت الولايات المتحدة ومعها بقية الغرب، جولة أخرى من حربها ضد الإرهابيين دون فهم هذه الحقائق، فلن تحقق أكثر مما حققت خلال الثمانية أعوام ونصف العام التي انقضت منذ 11 سبتمبر. إن التهديد لا يأتي من أرض معينة يمكن غزوها أو احتلالها، وإنما من شبكة معولمة، جميعنا عالق بها في عالم اليوم.

أستاذ في معهد الجامعة الأوروبية ومؤلف كتاب «عولمة الإسلام: البحث عن الأمة الجديدة»

opinion@albayan.ae