من لطيف الحكايات التي تروى، وهي ذات معنى كامن وظاهر دون كثير حاجة إلى إشارات واستدلال، هذه القصة التي تعود إلى عصر مضى عنوانها «إنّ».. والتي تتردد على ألسنتنا كلما أردنا أن نشير بالشك إلى تصرف أو موقف أو حتى قول.
أصل الحكاية يعود إلى مدينة حلب، فلقد أطلق احد رجالاتها واسمه علي بن منقذ رجليه للريح هربا خشية بطش حاكمها في ذاك الأوان محمود بن مرداس، وما أكثر البطاشين في تاريخنا لمن يخالفونهم الرأي فقط، وذلك لسوء فهم جرى على أمر ما بين الراعي واحد أبناء الرعية، لكن ابن مرداس لم يهنأ له بال لهذا الاختفاء المفاجئ، وطفق يبحث عن وسيلة يستدرج بها ابن منقذ رغبة في التنكيل به، وهذا هو حال البعض، عندما يتمكنون فيأثمون ظنا منهم أنها من ضرورات عزة المنصب والمكانة.
فأمر الوالي كاتبه أن يسطر إلى الهارب من معسول الكلام ما يجعله يطمئن إلى أن العتب مرفوع، وان الخلاف لا يفسد للود القضية، وكله رغبة في الاستدراج، ولكن الكاتب الذي يعيش الحالة ويرى ما يحاك توثق بأن الحاكم ينوي كثير الشر لا جزيل الشكر بعلي بن منقذ، فأراد أن ينقذه من شر قد اقترب، ومن طغيان حاصل إذا هو خدع بجميل العبارة واستسلم لصوت الحنين إلى الأوطان.
صاغ كاتب الوالي رسالة الحب المزيف، لكن بضمير من جمعه العيش والملح، فسطر له رسالة لا تخرج عن ما أراده الوالي الهمام وختم نهايتها بعبارة «إنّ شاء الله تعالى» مشددا على نونها، فأدرك ابن منقذ بذكاء لماح أن أخ الأيام الخوالي يحذره حينما شدد الحرف، *ويشير إليه من خلال خفايا الكلمات إلى قوله سبحانه وتعالى: «إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ» فأيقن انه هالك لا محالة ان هو عاد إلى حضرة ابن مرداس.
*في رد لا يخلو كذلك من فقه حياة رد صاحبنا على رسالة الحاكم الهمام بكلام مكتوب بلغة عادية لا تثير ريبة، حيث اطمئن الوالي على حاله وشكره على أفضاله، ولأن الرسالة ستصل إلى أخ الشدة كاتب الوالي فإن ابن منقذ ختمها بعبارة «إنّا الخادم المقر بالأنعام» ففطن الصديق الصدوق إلى ان رسالته وصلت إلى صاحبه، وانه ينبهه من خلال الكلمات الأربع إلى قوله تعالى: «إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا»، واطمأن إلى أن ابن منقذ لن يعود إلى أزقة حلب في ظل وجود حاكمها محمود بن مرداس.
ومن هنا صارت «إنَّ» مثلا ودلالة على الشك وسوء النية.
