هل يمكن أن يؤدي مسلسل تلفزيوني إلى درجة من التوتر في العلاقات الدبلوماسية بين الدول، تصل حد التهديد بسحب السفراء؟

ربما يبدو هذا السؤال غريباً من الناحية المنطقية، لكنه من الناحية العملية حدثٌ رأيناه على أرض الواقع الأسبوع الماضي.

ونحن نتابع سلسلة الشد والجذب بين تركيا وإسرائيل بسبب مسلسل «وادي الذئاب»، عندما بدأت الأحداث بمشهد إهانة السفير التركي في إسرائيل من قبل «داني أيالون» نائب وزير الخارجية الإسرائيلي، الذي استدعى السفير لإبلاغه الاحتجاج على عرض المسلسل في إحدى قنوات التلفزيون التركية، وانتهت بإصدار «أيالون» اعتذاراً للسفير قبل نهاية المهلة التي منحتها أنقرة لتل أبيب لتقديم الاعتذار قبل نهاية يوم الأربعاء الماضي، وإلا ستسحب سفيرها من إسرائيل.

حرب المسلسلات التلفزيونية التي تابعنا حلقة منها الأسبوع الماضي بين تركيا وإسرائيل ليست جديدة، فقد سبق لإسرائيل أن احتجت على المسلسل التركي «الوداع»، الذي أظهر في أحد مشاهده فلسطينياً يرفع ابنه الرضيع فوق رأسه.

فيما يقوم جندي إسرائيلي بإطلاق النار على الطفل بصورة متعمدة، أعادت إلى الأذهان حادثة استشهاد الطفل الفلسطيني محمد الدرة عام 2000، الذي نقلته عدسة مصور وكالة الأنباء الفرنسية طلال أبو رحمة للعالم أجمع وأثار ردود أفعال واسعة وقتها، وقد وصف وزير الخارجية الإسرائيلي المسلسل بأنه «لا يمت للواقع بصلة»، وقال إنه «غير ملائم حتى بالنسبة لدولة معادية، وبالتأكيد غير مناسب لدولة لها علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل».

يبدو أن حظ إسرائيل مع الأتراك سيئ، وحظها مع الأطفال أسوأ لأن سجلها معهم غير مشرف، فقد تناولت حلقة مسلسل «وادي الذئاب» محل احتجاج إسرائيل وغضبها، هذه المرة أيضاً عملية تجسس للاستخبارات الإسرائيلية، يقوم خلالها عملاء الموساد باختطاف أطفال أتراك وإخفائهم في السفارة الإسرائيلية، كما تطرق المسلسل إلى مهاجمة السفارة التركية في إسرائيل واختطاف السفير التركي وعائلته واحتجاز رهائن.

حرب المسلسلات التي تشنها تركيا على إسرائيل، وردود الفعل الغاضبة والمتهورة إلى حد خرق الأعراف الدبلوماسية وإهانة السفراء ثم الاضطرار للاعتذار، مشاهد ربما تبدو أكثر تشويقاً للمواطن العربي من المسلسلات التركية التي غزت قنواتنا التلفزيونية واحتلتها، مثلما احتل رئيس الوزراء التركي (رجب طيب أردوغان) قلوب المواطنين العرب بمواقفه الشجاعة.

منذ أن غادر منصة مؤتمر دافوس في التاسع والعشرين من شهر يناير عام 2009، احتجاجاً على عدم إعطائه الوقت الكافي للرد على الرئيس الإسرائيلي (شيمون بيريز) بشأن الحرب على غزة، بعد أن دافع «بيريز» عن إسرائيل وتساءل بصوت مرتفع وهو يشير بإصبعه إلى رئيس الوزراء التركي: ماذا كان (أردوغان) سيفعل لو أن صواريخ القسّام أُطلقت على اسطنبول كل ليلة؟ ليرد عليه «أردوغان» قائلاً:

«إنك أكبر مني سناً، ولكن لا يحق لك أن تتحدث بهذه اللهجة والصوت العالي الذي يثبت أنك مذنب»، مذكراً إياه بأن الجيش الإسرائيلي يقتل الأطفال في شواطئ غزة، وأن رؤساء وزراء إسرائيل قالوا له إنهم يكونون سعداء عندما يدخلون غزة على متن دباباتهم.

يومها احتشد في مطار اسطنبول آلاف الأتراك الذين استقبلوا رئيس وزرائهم استقبال الأبطال المنتصرين، في مشهد معبر يتمنى أي رئيس أو زعيم أن يعيشه ولو مرة واحدة في حياته، دون أن يكون مُعَدّاً له من قبل أمانة الحزب وكوادره ولجانه، كما جرت العادة في الأنظمة الشمولية وحتى تلك التي تدعي أنها شعبية، وليلتها أكد الشعب التركي مكانة رئيس وزرائه، الذي قال في المؤتمر الصحافي الذي عقده بعد انسحابه من جلسة دافوس: «الرئيس الإسرائيلي بيريز كان يتحدث إلى رئيس الوزراء التركي، أنا لست زعيم قبيلة، وكان يتعين عليه مخاطبتي بشكل لائق».

هذا الإحساس بالكرامة هو ما تحتاج إليه الشعوب، بل هو ما تشتاق إليه في هذا الزمن الذي لا يفسح مكاناً لغير الأقوياء، الذين لا يقبلون المهانة من أحد مهما كانت طبيعة أو قوة العلاقات التي تربطهم به.

وهذا الانتصار للكرامة هو سر الإعجاب الذي يحظى به رئيس الوزراء التركي في العالم أجمع، وبين العرب على وجه الخصوص، في زمن أصبح فيه مجرد الانتصار للكرامة بطولة نحلم بالحصول على أي مركز فيها، فكيف نلام على الإعجاب بمن يحرز المركز الأول ويقف شامخاً على منصة التتويج أكثر من مرة؟

«وادي الذئاب» لا يجب أن ننظر إليه على أنه مجرد مسلسل سبّب أزمة تابعنا فصولها، وإنما هو حالة تفتح الباب واسعاً أمام أولئك الذين يشعرون بالمهانة، وتدعوهم لخلع رداء الجبن، والانتصار لكرامتهم والتخلي عن مواقع الثعالب.

لذلك علينا ألا نتعامل معه على أنه عمل درامي عابر، نستمتع بحلقاته ونمر عليها مرور الكرام مكتفين بدور المتفرجين، ثم نغلق تلفزيوناتنا ونخلد إلى النوم غير مكترثين بما يحدث حولنا. فقبل أن يعرف العرب والترك وغيرهم من الأمم والشعوب الأفلام والمسلسلات، أهدى لنا شاعرنا العربي بيتاً لعلنا أحوج ما نكون إليه الآن، حين قال وكأنه يعلم ما سيؤول إليه الحال:

إذَا لم تَكُنْ ذِئباً عَلى الأرْضِ أغْبَرا شديدَ الأذَى بَالتْ عَليْكَ الثَعَالِبُ

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com