يعود بنا نتانياهو في أحدث تصريح له حول إحاطة الدولة ـ أي إسرائيل ـ بالجدران، إلى تلك الفلسفة الحقيقية التي تقف وراء المشروع الصهيوني برمته، منذ أن بدأ فكرة في عقول أقطاب الصهيونية، فالمسألة لم تبق جابوتنسكية فقط، بل إن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بكامل هيئاتها وقادتها، تتبنى فلسفة الجدران، إن حول تلك الدولة الصهيونية، أو حول المعازل الفلسطينية المختلقة على حد سواء!

فحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت» (11/01/2010)، وتحت عنوان «إحاطة الدولة بالجدران»، تحدث نتانياهو عن تلك الفلسفة، وأبرزت الصحيفة قراره بإقامة الجدران على طول الحدود مع مصر.

مشيرة إلى قوله في محادثات مغلقة: «في نهاية المطاف لن تكون هناك خيارات سوى إغلاق الدولة بالجدار من كافة النواحي». الكاتب اليساري الإسرائيلي آفيعاد كلاينبرغ، كتب (13/1/2010) تحت عنوان «الغيتو العبري الأول» يقول:

«آخر الأمر.. أعلن بنيامين نتانياهو في أحاديث مغلقة (مغلقة بحسب أسلوب إسرائيلي أي مفتوحة): لن يوجد مناص سوى أن نحيط دولة إسرائيل بجدران من جميع نواحيها، ويجب على الدولة ان تضرب حولها الجدران من كل الجوانب تماماً»، مضيفاً:

«من كل الجوانب.. تماما، جزيرة حصينة، مسلحة من أخمص القدم إلى أعلى الرأس، محاطة بحقول ألغام وجدران وأسوار عالية من الاسمنت والشك.. إن إقامة أسوار عالية بيننا وبين جيراننا، هو إعلان ثقافي: فثقافتكم ومشكلاتكم وحياتكم لا تهمنا، لسنا من هنا، نحن من العالم الأول، أي من أميركا»، ويختتم مستخلصا:

«إن عقلية الفصل، وإدارة الظهر المتنكرة لمن لا يشبهك (عربيا أو علمانيا أو متدينا أو فقيرا أو غنيا أو أبيض أو اسود) لا تقف عند الجدار الحدودي، إنها تتجاوزه بسهولة.. أهلا وسهلا في الغيتو العبري الأول».

أما يوسي ساريد زعيم حركة ميرتس واليسار في مرحلة سابقة، فكتب نفس اليوم في هآرتز: «إن نتانياهو وليبرمان يعيداننا إلى الغيتو المغلق المفصول، ويحيطاننا بجدار وسور، لا توجد هنا شهادة على ثقة بالذات، بل العكس فهذا يظهر ضعفا جلائيا وكأننا لا نزال عبيدا لفرعون، لقد اجتزنا فرعون، وليس محققا أن نجتاز هذه الحكومة التي تُجلس إنسانا جد ضئيل في مقعد جد رفيع، كم يثير هذا السخرية والخوف»!

وفي الحديث عن جدران الفصل والعزل والحصار، حول تلك الدولة أو حول غزة أو على امتداد الضفة الغربية من أقصى شمالها إلى أقصى جنوبها، فإن أول ما يستدعي التوقف عنده، هو تلك الفلسفة والأيديولوجيا التي تقف وراء تطبيقات خطط الجدران، بامتداداتها المرتبطة بحياة «الغيتو» اليهودي والمخاوف الأمنية والنزعات العنصرية الانعزالية التي ميزت تاريخ يهود «الغيتو».

والتي يجري تطبيقها اليوم على نحو أشمل. فحسب نتانياهو وقبله شارون وغيرهما، تجب إحاطة إسرائيل بالجدران، ولكن الذي يجري أيضا هو إحاطة وتسييج الفلسطينيين في إطار «غيتوات» أو معسكرات اعتقال جماعية.

الكاتب والمحلل الإسرائيلي حاييم هنغبي، كان أشار إلى عقلية الجدران قائلاً: «مهم أن نتذكر أن الجدران كانت من ركائز تأسيس الصهيونية، سواء تشريعياً أو عملياً، فمئة عام من النزاع كانت عملياً مئة عام من الجدران والفصل أحادي الجانب طبعاً.

فاحتلال الأرض واحتلال العمل كان فصلاً، والمستعمرات التعاونية والزراعية كانت فصلاً، والهستدروت (نقابة العمال العامة) والأحزاب كانت فصلاً، والوكالة اليهودية والصندوق القومي الإسرائيلي كانا فصلاً.

وكل ما يسمى دولة على الطريق كانت قائمة كلها على الفصل، وحتى الدولة الناشئة وعملية التطهير العرقي، وأيضاً الحكم العسكري ومصادرات الأراضي، وكل ما تم داخل الخط الأخضر، وكل ما تم منذ يونيو 1967 وراء الخط الأخضر، كل ذلك كان فصلاً».

أما الكاتب الإسرائيلي يهود ليطاني فيؤكد في مقالة له: «منذ الهجرات الأولى للبلاد شعر المستوطنون اليهود بالحاجة إلى إحاطة أنفسهم بجدران، فيما اكتفى جيرانهم العرب بأشجار الصبار التي تحيط بقراهم، وفي فترة الأحداث في نهاية الثلاثينات أحيطت القرى والمدن الجديدة بجدران من الخشب معززة.

في إطار حملة ما سمى سور وبرج، في تلك الفترة حاول اسحق سديه دفع مقاتلي «الهاجانا» للخروج من حالة الدفاع إلى الهجوم، ونقل الحرب إلى نطاق القرى والمدن العربية، وكان شعارهما: الخروج من الجدار».

ويستخلص ليطاني من كل ذلك أن «جدران الفصل التي تجري إقامتها هي استمرار لذات الميل، انه مثال على العزلة التي فرضناها على أنفسنا، أنها رمز قصر نظرنا، ومنذ الأزل وجد العدو السبل لتجاوز الجدران واقتحام الأسوار، ابتداء من أسوار أريحا القديمة، وانتهاء بخط ماجينو وخط بارليف في القرن العشرين».

ويضفي الكاتب الإسرائيلي المعروف «عوفر شيلح» المزيد من الضوء والتأكيد على ذات الخلفية الفلسفية الأيديولوجية الصهيونية التي تقف وراء الجدران، ليذكرنا بأهم ركائز تلك الاستراتيجية الصهيونية الاستعمارية الاستيطانية في فلسطين، فيقول في تعليق نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت أيضاً تحت عنوان «البلدوزر سوف ينتصر»: «هناك عدد غير قليل من الإسرائيليين ممن يرون في الجدران الحدود المستقبلية لإسرائيل.

وهم ببساطة يعرفون العبرة مما يزيد عن (100) عام من الصهيونية: الدونم يسبق النقاش والمفاوضات، والعنزة هي التي تصيغ الاستراتيجية، وهم يعرفون ان حدود إسرائيل لم تحدد ابداً بقرار حكومي، بل ان الجدران هي التي ستحددها».

لنجد انفسنا في نهاية المطاف أمام جدران جابوتنسكية ونتانياهوية تستند إلى فلسفة وأدبيات أيديولوجية وعقلية صهيونية أطلق عليها على مدار العقود وربما القرون الماضية: أيديولوجيا وعقلية «الغيتو»، ثم اطلق عليها عشية وخلال وبعد اقامة الدولة العبرية «السور والبرج» ثم يطلق عليها حديثاً سياسة البلدوزر».

وكلها تسميات ومفاهيم تعكس القناعة الحقيقية لديهم بحقيقة أن اسرائيل كالعضو الغريب المزروع في جسم المنطقة، وعليها كي تضمن بقاءها واستمرارها، اعتماد استراتيجية الحراب والحروب والجدران دائما..

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com