كلما طرق الأذن اسم وليد جنبلاط أو ظهر على الشاشات يتبادر إلى الذهن مصطلح «السطو» الذي يعتبر مرادفا حركيا للانتهازية السياسية، وهي من مباحات عالم الساسة الذي لابد منه لمن يمارس هذه اللعبة، خاصة في دولة مثل لبنان يعتمد جل زعمائها فعلهم السياسي على قاعدة المناورات المكشوفة عندما لا يكون هناك قيمة مرتجاة للأوراق الخفية، وبالطبع على مشجب مصلحة لبنان يعلق الأمراء أدرانهم وأطماعهم دون كثير قلق من إدانة شعب مادام التمترس خلف الطائفة حاضرا في كل ثنايا الفعل والحوار.
زعيم الدروز وليد جنبلاط يمتلك إضافة لقدرت ممارسة فعل السطو على المنجز السياسي صفة أخرى أكثر دراماتيكية، وهو ذلك السوط القادر على جلد الذات، كلما أخذته الأطماع إلى أحلام الغفلة، ومن ثم العودة والوثوب إلى الواقع ولو كان مرا، ووفقا للعبة الدومينو، التي سرعان ما تتوالى في التهاوي مع أول سقوط لرأس اللعبة أو ذيلها سيان وهنا يمتلك وليد بك خبرة اليد الخفيفة القادرة على السطو بكل نشافة وجه مع إخراج اللسان واللعب بالآذان.
هذا المخضرم بدأ قبل غيره بلحس كلامه عن سوريا وعن سلاح المقاومة وعن السيد حسن، في مشهد يذكرك بخفة الزئبق عندما يتسرب بين الأصابع ماضيا الى حيث لا تراه لكن ساكن الجبل يعرف أين يريد ان يرى نفسه.
وهو الذي أجاد في أكثر من عصر السقف الذي لا يمكنه تجاوزه في هذه الفسيفساء اللبنانية حادة الزوايا كسكين جزار لمن لا يعرف الوسيلة المثلى للالتفاف حولها، وصاحبنا خبير في هذا الفن، كيف لا وهو أحد صانعيه ورموزه ولو أدى ذلك إلى مفاجأة الحلفاء قبل الأعداء وبمناورة هي الأقرب الى المثل البيروتي «بزرعك بين البقدونس بلاءيك بين الكزبرة».
وعذرا أيها المختار أن ننزع عنك براءة الدور الذي تصر على ممارسته من خلال مد الأيادي إلى كل الأطراف، فبعد ترتيب البيت الطائفي الداخلي ومع زعامات كطلال ارسلان ووئام وهاب، والذين هاجموك بأريحية المتكئين على اطمئنان واضح بفقدانك شيئا من أبهة زعامة الجبل، إلى شبه الاعتذار من حزب الله الذي تجاهلك وأنت تكيل له تهم العمالة، وإلى الرابية حيث الحلقة الأخيرة مع الجنرال عون معلنا من هناك خاتمة المصالحات.
الروح الفولاذية معنى كلمة جنبلاط «جان بولاد» باللغة الكردية، لكن ابن كمال روحه مطاطية تمتلك من المرونة ما أعطاها قدرة فائقة على المناورة في كل زواريب لبنان تهيئة للمناخات، حيث العودة إلى موسم الحصاد على أبواب دمشق.
