ماذا عن العام الأول لباراك اوباما الرئيس 44 للولايات المتحدة الأميركية؟ جاء أوباما كرمز للتغيير وللقطيعة مع الإدارة السابقة، الإدارة البوشية التي اتسمت بالسياسة الأحادية والاستراتيجية الصدامية، وعسكرة الدبلوماسية وإيديولوجية التفوق الأخلاقي القائمة على ثنائية الخير والشر، فيما جاءت الأوبامية لتصالح أميركا مع العالم، أو لإعادة تطبيع صورة أميركا في العالم، وإعادة الواقعية إلى السياسة الأميركية.

الخطاب الأميركي الجديد حمل مفاهيم مستمدة من «أدبيات» المجتمع الدولي، والتعاون والشراكة والتعددية، والانخراط والتسويات السياسية أو السلمية للنزاعات.

اتهمها خصومها من الجمهوريين، خاصة المتشددين، بأنها أعادت واشنطن إلى واقعية شديدة، فيما قال أصدقاؤها انها عودة للبراغماتية ومد اليد والتعاطي مع الجميع، والاعتراف بالواقع والتعامل معه على هذا الأساس. فالصدام والمواجهة باسم الديمقراطية، التي كانت في حقيقة الأمر عنوانا لشرعنة التدخل، لا يساعد في التغيير، بل إن هذا يأتي في اطار الانخراط مع الآخر وإقامة الجسور معه. إدارة اوباما اعترفت بان الولايات المتحدة دخلت في «عالم ما بعد أميركا«.

كما يسميه فريد زكريا، وأخذت تتعامل مع هذا العالم على هذا الأساس. عالم تراجعت فيه القوة الأميركية، وإن بقيت القوة الأولى في العالم، نظام عالمي شديد التعقيد متعدد ومتنوع في طبيعة الأقطاب، ومعادلة قوامها استحالة تفرد واشنطن بصياغة الأجندة الدولية وحدها من جهة، وصعوبة ادارة هذه الأجندة بعيدا عن الثقل الأميركي من جهة أخرى.

من أهم عناوين هذه السياسة الأوبامية الجديدة طمأنة العالم الإسلامي ومصالحته، وبلورة اطار نظري مختلف ومركب للتعامل مع الإرهاب، بعيدا عن التبسيط والاختزال اللذين طبعا نظرة الادارة السابقة إلى هذه المسألة، التي تعتبر في طليعة المسائل الضاغطة في العالم. من هذه العناوين أيضا الانخراط الفاعل في الأزمات والاهتمام، كما يقول ريتشارد هاس، بما تقوم به الدول خارج حدودها.

وليس داخل هذه الحدود، وبعيدا عن عنصر «النقاء العقائدي» كما تقول المسؤولة عن دائرة الاستشراف في وزارة الخارجية آن ماري سلوتر، وكذلك الانتقال من عالم التحالفات والأحلاف الرسمية التي تذكر البعض بمنطق الحرب الباردة، دون كسر هذه الأحلاف ولكن بالتركيز على بناء عالم من الشراكات المتعددة.

والتأكيد على ان الولايات المتحدة قوة تنتمي إلى المحيط الهادئ، مثلما هي قوة اطلسية، وتراجع موقع أوروبا ومكانتها الخاصة التقليدية على الأجندة الأميركية، والحاجة إلى إعادة صياغات علاقات أطلسية جديدة، تراجع لمصلحة التوجه نحو القوى الدولية العائدة أو الصاعدة، وفي طليعتها روسيا والصين.

واشنطن اوباما تحاول تعزيز العلاقات الأميركية الروسية، وكان من أهم مظاهر هذه السياسة التخلي عن نشر درع صاروخية شمال أوروبا، مقابل تراجع موسكو عن نشر صواريخ متطورة غرب روسيا.

سياسة تعزيز الانفراج والتفاهم مع موسكو أحدثت مخاوف في دول شرق ووسط أوروبا، على واشنطن ان تعالجها من خلال سياسة أوروبية جديدة ما زالت غائبة حتى الآن. واشنطن أيضاً تعمل على تحويل العلاقة مع الصين من مفهوم الشريك الاقتصادي، إلى الشريك الجيو سياسي.

كما يقول زبغنيو بريجنسكي، لإعطائها طابعا شاملا، كما انها تعيد اكتشاف أميركا اللاتينية وافريقيا، وتدعو إلى بناء عالم خال من أسلحة الدمار الشامل، ورغم مثالية هذه الدعوة إلا أنها تشكل نقلة نوعية على صعيد مفهوم التسلح الدولي.

لكن الأوبامية أيضاً تندرج في ما تسميه جماعتها بالواقعية الجديدة، فأوباما ينظّر حول الحرب العادلة وعدم إمكانية تلافيها، وحول أهمية عنصر القوة واللجوء إليه عند الحاجة بسبب طبيعة النظام الدولي، ويؤكد على ذلك في خطاب تسلمه لجائزة نوبل للسلام، واختيار الموقع والتوقيت لهذا الحديث مليء بالمعاني والدلالات.

وبخصوص الشرق الأوسط، المسرح الاستراتيجي الأهم من حيث تحدياته بالنسبة إلى الإدارة الأميركية، فإن ادارة اوباما أحدثت على المستوى المفهومي وعلى مستوى بعض السياسات، عملية إعادة تموضع بالدعوة إلى مقاربة شاملة، والعمل على الانخراط كبديل عن القطيعة والصدام، مثلما كانت الحالة مع إيران، والاستقالة من لعب أي دور والبقاء جانبا.

كما كانت الحالة مع فلسطين. كما لجأت في ملفات أخرى إلى مقاربة أكثر تواضعا من حيث الأهداف، كما هي الحال في الملف الأفغاني، مستفيدة من دروس التاريخ البعيد والقريب، ومقاربة أكثر شمولية تقوم على الاعتراف بالترابط والتداخل بين الحالتين الباكستانية والأفغانية.

هذا التحول غير المكتمل والذي ما زال على مفترق الطرق على مستوى السياسات، هو عنوان السياسة الأميركية في الشرق الأوسط الواسع، دائما حسب التعريف الأميركي.

وفي الداخل، والداخل هو الأساسي للنجاح والبقاء السياسي، يواجه اوباما تفاقم أزمة البطالة التي وصلت إلى مستويات لم تعرفها منذ 26 عاما، مع ما يشكله ذلك من خطر على المستقبل السياسي للإدارة الديمقراطية.

وحقق نجاحا غير مكتمل في التحدي الأكبر المتعلق بقضية التأمين الصحي العام، والصراع بين اليمين واليسار، على خلفية تفاقم الأزمة الاقتصادية وتداعياتها، بين من يريد دورا للدولة أكثر تدخلا وناظما للنشاط الاقتصادي وضامنا للتركيبة الاجتماعية، وبين من يريد ان تبقى السلطة الفدرالية محايدة أو محيدة قدر الإمكان.

يختصر البعض السنة الأولى لعهد اوباما، بالقول ان هنالك الكثير من التوقعات والقليل من النتائج. ويرد «الأوباميون» بأن سنة واحدة لا تكفي. ودون شك حصل تغيير كبير في طبيعة المقاربة الأميركية تجاه مسائل وقضايا دولية، لكن دون ان تترجم ذلك إلى نتائج ملموسة.

وفي الشرق الأوسط الحامل دائما لاستحقاقات أساسية وضاغطة، يبدو ان التخبط والتردد هما سمتا اللحظة الفلسطينية في السياسة الأميركية، فيما تشهد السياسة الأميركية ازدياد التعقيدات في الملف الإيراني، وتعثر الملف الأفغاني. فهل تحقق واشنطن ولو نصف نجاح أو نجاحا مرحليا من خلال «تبريد» هذه الملفات؟ هذا هو التحدي الأكبر لتحقيق تغيير حقيقي وقطيعة فعلية مع الماضي في السياسة الأميركية.

كاتب لبناني

hitti@wanadoo.fr