لعل السمة البارزة في مسألة الحرب على القاعدة، هي أن رقعة الحرب مع هذا التنظيم المسلح قد أصبحت اليوم أكثر اتساعاً، حيث أنها ما عادت تدور في أفغانستان وباكستان والعراق، بل نجدها قد امتدت اليوم إلى الجزيرة العربية.

حيث أصبح بلد محوري كاليمن في وسط أجندة القاعدة لتسيير أنشطتها. لقد أصبحت القاعدة اليوم مؤسسة عابرة بنشاطها للدول، بل وللقارات، حيث لا تكاد سوى الأنتركتيكا أن تكون بعيدة عن نفوذ القاعدة. فماذا تريد القاعدة من اليمن؟

لعل الأمر الواضح هو أن حاجة القاعدة لليمن تنبع من مجموعة من الاعتبارات، لعل أولها أن القاعدة قد تم التضييق عليها في أفغانستان وباكستان والعراق، وأنها ما عادت تستطيع أن تعمل هناك بشكل حر كما كانت.

وبالتالي فإن التوجه إلى اليمن هو من أجل التنفيس عن نفسها قليلاً، من خلال فتح جبهة أخرى أمام الولايات المتحدة. اليمن مكان مثاليا للقاعدة كي تعمل؛ كيف لا واليمن صورة أخرى من أفغانستان التي استطاعت من خلالها القاعدة أن تنمو وتنجح وتخلق نفوذا كبيرا لها؟

اليمن بلد قريب في جغرافيته الجبلية من أفغانستان، التي تجعل من الحرب النظامية عملية ليست يسيرة على الإطلاق، وبالتالي النجاح في الاستمرار بحرب العصابات التي تعتمد عليها القاعدة.

كما أن أهل اليمن كأهل أفغانستان، هم من القبائل التي في معظمها تتكون من أفراد غير متعلمين وعاطلين عن العمل، ويتمتعون بانتشار ممارسة حيازة السلاح؛ كما أن اليمن بلد غير مستقر ويشهد الكثير من التجاذبات والاضطرابات، نتيجة للتوتر الدائر بين بعض مناطق اليمن وبين الحكومة المركزية، ونتيجة لعدم توفر التنمية الاقتصادية والاجتماعية بشكل متواز لجميع المناطق اليمنية ولجميع أفراد المجتمع اليمني.

فأهل الجنوب شأنهم كشأن أهل الشمال من الحوثيين، يتهمون الحكومة بالتهميش وعدم توفير الخدمات، لذلك تحركت تلك المناطق لحمل فكر المواجهة ضد الحكومة. بالإضافة إلى أن الحكومة اليمنية، ليس لها من القدرة العسكرية والمالية ما يمكنها من مواجهة حرب العصابات لفترة طويلة، كما هو ذات الحال مع الحكومة الأفغانية.

كما أن انخراط الحكومة اليمنية في مواجهة الحوثيين في الشمال والانفصاليين في الجنوب، قد يكون ولد درجة من الإدراك لدى القاعدة بأن الحكومة اليمنية ستكون أكثر انشغالاً بالمواجهة مع الحوثيين والجنوبيين، من المواجهة مع القاعدة. مثل هذه الأوضاع توفر أرضية خصبة للقاعدة كي تعمل وتنمو وتطور من نشاطاتها في اليمن، الذي قد يصبح موطئ قدم جديداً للقاعدة.

كما أن القاعدة تنظر إلى اليمن على أنه ساحة مواجهة جديدة، من أجل توزيع رقعة المواجهة مع الولايات المتحدة، بعيداً عن أفغانستان وباكستان، ونحو منطقة تعتبرها الولايات المتحدة هامة وحيوية بالنسبة لها، نظراً لقربها من دول الخليج الحليفة لها، لاسيما السعودية التي تتعرض منذ سنوات إلى مواجهة مع تنظيم القاعدة وبعض المجموعات التابعة له.

ولعل ربط الشاب النيجيري عمر فاروق، الذي حاول تفجير طائرة أميركية مدنية مؤخراً، بالقاعدة واليمن من خلال إيمانه بفكر القاعدة وتلقيه تدريبات في اليمن، إنما هو مؤشر قوي على محاولة القاعدة إرسال رسالة قوية إلى الولايات المتحدة، مفادها أن اليمن قد أصبح بؤرة للمواجهة معها، وأنه حان الوقت للولايات المتحدة كي تواجه القاعدة في ذلك البلد.

هدف القاعدة هو أن تتحرك الولايات المتحدة عسكرياً في اليمن، لأن ذلك سيحقق لها أمرين؛ الأول مرتبط بالتقليل من المواجهة مع القاعدة في أفغانستان وباكستان، وبالتالي قدرة القاعدة على استعادة قوتها هناك وتحقيق نجاحات لها. والثاني مرتبط بمحاولة جر الولايات المتحدة إلى مستنقع حرب أخرى، تتكبد فيها خسائر كبيرة كما حصل لها في أفغانستان.

فمحاولة زج الولايات المتحدة الأميركية إلى اليمن عسكرياً، هي استراتيجية جديدة للقاعدة من أجل إلحاق الأذى بالولايات المتحدة، في ظل الإخفاقات الأميركية في أفغانستان والعراق. ولعل الرئيس الأميركي قد أدرك خطورة التوجه العسكري إلى اليمن، حيث أعلن مؤخراً عدم نية بلاده إرسال قوات إلى اليمن والصومال، إدراكاً منه لخطورة الوضع هناك.

حيث ان القاعدة تستطيع أن تلحق الضرر بالولايات المتحدة في كل من اليمن والصومال، باعتبار الوجود المتنامي للقاعدة في المنطقة، والذي بإمكانه أن ينمو أكثر في حالة دخول الولايات المتحدة مواجهة عسكرية مباشرة في اليمن، تكون نتيجتها الإضرار بالمدنيين اليمنيين، وبالتالي تحرك المزيد من اليمنيين لنصرة ودعم القاعدة، أو المقاومة ضد الوجود الأميركي في اليمن كمحاولة للثأر من القوات الأميركية وممارساتها ضد المدنيين عن قصد أو بغير قصد.

وإذا ما نجحت القاعدة في جر الولايات المتحدة إلى اليمن، فإن اليمن سيصبح بلا شك أفغانستان جديدة للولايات المتحدة، ويصبح بؤرة توتر كبيرة في المنطقة الخليجية، والتي ستزداد من خلالها التدخلات الأجنبية في شؤون اليمن والمنطقة، سعياً لحماية مصالحها كما هو حادث في أفغانستان.

ولعل الأيام المقبلة ستمثل تحدياً للولايات المتحدة ولإدارة الرئيس باراك أوباما، الذي سيكون أمام وضع يتطلب منه بلورة استراتيجية جديدة للمواجهة، ليس فقط مع القاعدة في اليمن، بل لمواجهة الوضع المتردي في ذلك البلد، والذي أدى بالقاعدة إلى أن تزحف نحوه.

جامعة الإمارات

binhuwaidin@hotmail.com