لا أظن انه حديث خارج السياق، بل أظن اننا في أشد الحاجة إليه ونحن نواجه ما نواجهه من تحديات على امتداد الوطن العربي. المناسبة.. هي مرور خمسين عاماً على بدء العمل في بناء السد العالي. ففي التاسع من يناير 1960، وقف جمال عبدالناصر مع عدد من الزعماء العرب والأجانب، يضغط على زر أحمر لتهتز جبال النوبة بالتفجير الكبير الذي بدأ به تحويل مجرى النيل، لتبدأ ملحمة عظيمة على مدى سنوات حتى اكتمل بناء السد العظيم.
كان عبدالناصر يومها رئيساً للجمهورية العربية المتحدة، التي كانت تضم مصر وسوريا في دولة واحدة كانت تجسد آمال الأمة العربية في الوحدة والتقدم، قبل أن ينقض عليها الأعداء في مؤامرة الانفصال.
وكانت سنوات قد مرت على بدء المعركة حول بناء السد، الذي كان يحتاج لتمويل خارجي تعهدت أميركا ودول الغرب بتوفيره عن طريق البنك الدولي، ثم عادت أميركا لتسحب موافقتها وتوجه إهانة لمصر، كان الرد عليها هو القرار التاريخي بتأميم شركة قناة السويس التي كانت تمثل دولة داخل الدولة.
ومن إيرادات القناة التي عادت لحضن مصر، بدأ تمويل السد العالي، ومن الانتصار على العدوان الذي شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عام 56، كان الإيمان بحتمية الانتصار في معركة السد، رغم الحصار الاقتصادي الذي فرضته أميركا، ورغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرت بها مصر.
وهي تتحمل عبء التنمية وعبء بناء السد وعبء أداء واجبها تجاه أمتها العربية، وهي تخوض معارك الاستقلال والتحرر. كانت التحديات صعبة، لكن إرادة مصر كانت أقوى. والتعاون الذي أبداه السوفييت كان مثالاً في العلاقات الدولية القائمة على الاحترام.
والدرس الذي أخذه الأميركان، جسده الرئيس الأميركي الأسبق نيكسون، وهو يزور السد بعد سنوات ويقول إن سحب بلاده عرض تمويل السد العالي كان أكبر خطأ ارتكبته في علاقتها بمصر!
خمسون عاماً مرت على بدء العمل في السد الذي تم افتتاحه عام 71، والذي أنقذ مصر من المجاعة التي اجتاحت إفريقيا لسنوات، ومن الفيضانات المدمرة لسنوات أخرى، والذي أضاف للرقعة الزراعية مليوناً ونصف المليون فدان، وأعطى لمصر من الطاقة الكهربائية الرخيصة ما مكنها من بناء قاعدة صناعية ما زالت هي الأساس حتى الآن. لكن الأهم من كل ذلك، أنه جسد إرادة أمة وهي تنتصر لكرامتها، وأعطى الدرس في قدرتها على الانجاز، في أصعب الظروف وتحت أقسى التحديات.
وها نحن في الذكرى الخمسين لليوم الذي أعطى فيه رئيس الجمهورية العربية المتحدة جمال عبدالناصر، إشارة البدء للعمل في المشروع العظيم، نتابع، بالأمل والأسى معاً، أنباء الجهود التي تبذل لتحقيق المصالحة بين النظامين المصري والسوري، وإنهاء الخلافات التي طالت وأضرت كثيراً بمصالح القطرين الشقيقين وبمصالح الأمة كلها.
وها نحن بعد خمسين عاماً من ذلك اليوم العظيم، نرى أن ما تحقق لمصر يومها من تأمين لمواردها المائية لعشرات السنين معرض الآن للخطر، بعد سنوات طويلة أهملنا فيها إفريقيا، وتركنا الساحة الخلفية في دول حوض النيل لتلعب فيها إسرائيل وغير إسرائيل، لامتلاك أوراق ضغط تحاصر بها الإرادة المصرية. ولعل التحركات الأخيرة تنجح في استدراك ما وقع من تهاون، وعلاج ما حدث من تقصير.
وها نحن بعد خمسين سنة من انتصار الإرادة المصرية والعربية، في معارك استعادة قناة السويس وهزيمة عدوان 56 وبناء السد، واستخراج شهادة الوفاة للاستعمار الذي كان يجثم على صدور الأمة من الخليج إلي المحيط.. ها نحن في مواجهة مخاطر أشد، نفتقد المشروع الوطني والقومي الذي يجمع الكل وراء الهدف الواحد الكبير.
وها نحن نواجه، بجانب المخاطر الخارجية، الخطر الأشد المتمثل في اندلاع الحروب الطائفية، حتى في مصر التي كانت وحدتها الوطنية مضرب الأمثال، والتي كان أقباطها على الدوام يرفضون أن يوصفوا بأنهم «أقلية»، ويؤكدون أنهم جزء من نسيج وطني واحد.
الآن يبدو كل ذلك في دائرة النار التي تندلع من فتنة تزداد اتساعاً يوماً بعد يوم، والدولة ـ حتى الآن ـ تكتفي بالحلول الأمنية، بينما الأزمة لن تصلح معها إلا المواجهة الشاملة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، وبمشاركة كل القوى المؤمنة بمصر وطناً لجميع أبنائها، كما كانوا وهم يبنون السد ويقاتلون لاسترداد القناة وينتصرون في حرب أكتوبر المجيدة. الآن..
وبعد خمسين سنة من انتصار الإرادة المصرية والعربية، يعود البعض ليطرح سؤال الهوية العربية في مصر وفي غيرها من الدول العربية. ونواجه معركة حول بناء استحكامات لتأمين الحدود بين مصر و.. غزة! ونفاجأ بجدل يتدخل فيه الأستاذ هيكل، على خلفية تصريحات منسوبة للدكتور مصطفي الفقي بأن «الرئيس القادم لمصر يحتاج لموافقة أميركا وعدم اعتراض إسرائيل»..
ومع احتمال السهو والخطأ في التعبير أو في الاجتهاد، فإن حديثنا عن السد العالي لا يبدو فقط داخل سياق ما يحدث الآن، بل لعله الأجدر بأن نعود إليه، وأن نعود معه إلى الطريق الصحيح الذي كاد يضيع منا.. ونضيع معه!
كاتب مصري