تختار المحن من يكون جديرا بالتغلب عليها، حيث تختبر قدرته على الصمود في وجه الشدائد والصعاب، وتسبر غوره في التعامل مع غوائل «الأيام» التي سطر فيها عميد الادب العربي الراحل طه حسين سيرة حياة من افقدته الاقدار نعمة البصر،لكنها لم تسلبه البصيرة، والرؤية الثاقبة التي انارت للكثيرين الطريق وسط ظلام الجهل والتخلف، وكانت بمثابة جسر عبرت عليه نهضة تنويرية في تاريخنا العربي الحديث.
هل يستحق صاحب حديث الأربعاء ودعاء الكروان، الحاصل على الدكتوراة من جامعة السوربون عن رسالته «الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون» عام 1919، ممن كان في علم الغيب ولم يبصر النور في ذلك الوقت، التربص بأيامه، وان يعمل فيها مقص الرقيب تارة، والدعوة إلى منع تدريسها على الطلاب في مصر تارة اخرى بحجة تناولها بالنقد لطريقة التدريس في الازهر في أوائل القرن الماضي؟
أية قيمة نقدمها للاجيال الجديدة ونحن نتربص باصحاب الفكر المستنير احياء وامواتا، أليس من يطالبون اليوم باقصاء فكر عميد الادب العربي عن مدارسنا، احفاد اولئك الذين طاردوا الرجل في حياته عندما كتب «في الشعر الجاهلي» قبل أن يجبره الذين يفتشون في العقول والضمائر بحثا عن كل تمرد أو الخروج عن رؤيتهم الاحادية للكون والعالم، إلى حذف مقاطع من الكتاب و(تهذيبه) قبل ان يغير عنوانه إلى «في الأدب الجاهلي»؟
أليست محنة «الأيام» التي يواجهها طه حسين من قبره، امتداد لمحنته مع من وقف ضد «في الشعر الجاهلي» في حياته؟
رواية الايام التي تربى عليها العديد من الادباء المصريين والعرب، وكانت زادا للكثيرين ممن اهتموا بالادب العربي في القرن العشرين، يتم تدريسها منذ سنوات طوال في المدارس المصرية، فلماذا اختار البعض اقصاءها؟
أليس الامر احياء لثارات تاريخية كنا نظن أن الزمن تجاوزها، ونحن ننادي ليل نهار بضرورة الاعتراف ان الخلاف في الرأى لا يفسد للود قضية، وأن التنوع في الرؤى، دليل صحة وعافية، فيما الانغلاق والتقوقع، يضر بأصحابه ان توهموا أنه يحميهم؟
طه حسين قيمة فكرية شاء البعض أم أبى ولن يضره كثيرا استبعاد كتبه من المدارس، لأن أفكاره وآرائه المستنيرة فعلت مفعولها، وستظل تأتي أكلها كل حين، وهذا ما يقلق حساده والحاقدين عليه.
فالرجل بما خاضه من معارك فكرية تنويرية منذ أوائل القرن الماضي وحتى وفاته عام 1973، يبدو أنه لا يزال يثير حفيظة البعض ممن يعتقدون انهم اصحاب الحق المطلق في السيطرة على عقول الأجيال القادمة ، حتى وان كنا نعيش في عصر التنوع والاختلاف بشكل لم يسبق له مثيل في ظل ثورة الاتصالات وعالم الانترنت الذي فتح الباب على مصراعية لتفاعل الثقافات والاراء من دون حواجز أو حدود.
الافضل من اعادة النفخ في رماد الماضي، ان نلتفت لتحديات العصر الذي نعيشه، وان نتخلى عن العبث بعقول شبت عن الطوق، ولم تعد في حاجة لرقابة لن تنفع في حجب الشمس عمن يحلمون بنسج غد أفضل من ضياء الفكر المستنير الذي كان طه حسين أحد رواده العظماء.
ليبحث البعض عن معارك أكثر نفعا، من السعي إلى مصادرة الرأي المخالف، لأن مثل هذه الأمور تضر بأصحابها أكثر مما تفيدهم، لأنها باختصار تظهر من يتقدم الركب بقدر ما تعري، وتكشف من يعيقون المسير.
