لا شك أن استئناف الرحلات الجوية بين روسيا وجورجيا بداية العام الحالي، والذي جاء ضمن اتفاق بين حكومتي البلدين على إقلاع خمس رحلات مؤقتة من تبليسي إلى موسكو وسان بطرسبرغ، لا يقدم الدليل الواقعي على إمكانية تحسن العلاقات بين البلدين. وقد كشفت تصريحات المسؤولين أن هذا الاتفاق ليس أكثر من محاولة لتسهيل حركة المواطنين، وصيانة الصلات بين أبناء الأسر التي سببت الحرب القوقازية انقطاعها.
وقد أكدت موسكو مرارا أنه لا يمكن التعامل مع نظام ساكاشفيلي، بل ووجهت انتقادات حادة للغرب على دعمه لحكومة تبليسي، ودعم طموحات جورجيا الأوروأطلسية، ومساعدتها في بناء الجيش الجورجي.
وقد أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، عن وجود خلافات بين موسكو وواشنطن حول كيفية مواصلة التعاون أو مدى ضرورة التعاون مع نظام ساكاشفيلي.
وأضاف أن الحكومة الجورجية الحالية تشكل خطرا على السلام والأمن في المنطقة، وأن روسيا ستبذل كل الجهود المتاحة كي لا تقوم جورجيا بتهديد أمن أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. وحذر لافروف من محاولة القيام بأية عمليات ضد الإقليمين، مشيرا إلى أن حماية أمنهما أصبحت مسؤولية روسيا، بعد أن وقعت موسكو اتفاقيات معهما للتعاون والأمن.
أما واشنطن فما زالت تحاول استغلال حكومة ساكاشفيلي ومغامراتها في الضغط على روسيا، وهو ما جسدته تصريحات جون ماكين عضو مجلس الشيوخ الأمريكي، المرشح السابق للرئاسة عن الحزب الجمهوري، والتي أعلن فيها أن روسيا لا بد أن تغير موقفها من جورجيا وتسوي علاقاتها معها على أساس وحدة أراضي جورجيا، وأنه يجب على روسيا أن تنفذ بدقة شروط الاتفاقية التي وقعها الرئيسان الروسي دميتري مدفيديف والفرنسي نيكولا ساركوزي، حول وقف إطلاق النار بين جورجيا وروسيا.
ويبدو واضحا أن تصريحات ماكين تهدف إلى تهدئة رجل واشنطن في جورجيا، الذي بدأ وجوده في السلطة يتعرض لتهديد حقيقي من المعارضة الجورجية، خاصة بعد أن شهدت سياسات الولايات المتحدة تعديلات كبيرة عقب تولي باراك أوباما منصب الرئاسة.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن ماكين يمثل التيار المتشدد في الأوساط السياسية الأمريكية، فسندرك مدى جدية هذا الدعم لساكاشفيلي الذي فشل في إنقاذ بلاده من الأزمات الاقتصادية، بل وجرها إلى صدامات وحروب مع أهم جيرانها.
وما زال الاتجاه المتشدد متواجدا داخل البيت الأبيض الأمريكي، ويرفض التراجع عن برنامج جورج بوش باعتباره السبيل الأمثل للخروج من الأزمة المالية، عبر زيادة حجم الإنتاج والتسويق للمعدات العسكرية، وفرض النفوذ الأمريكي على منابع الطاقة في العالم، وتحديدا في منطقة حوض بحر قزوين.
وتأتي تحركات وتصريحات ماكين ضمن مسلسل فرض حصار على سياسات أوباما الجديدة، ولإيصال رسالة للكرملين بأن واشنطن ليست مستعدة لقبول سياسات موسكو في المنطقة، وعلى القيادة الروسية إعادة النظر في العديد من إجراءاتها، والبحث عن تسوية ترضي الطرف الأمريكي.
لكن روسيا قد فرضت نفوذها العسكري والسياسي على هذه المنطقة ولم يعد ممكنا الحديث عن إزاحتها، بل وأصبح من الصعب بحث ملف انضمام جورجيا لحلف الناتو، وفق أنظمة ولوائح الحلف. وبالتالي، على الغرب أن يعيد النظر في سياساته في منطقة القوقاز، مع الأخذ بعين الاعتبار المصالح الروسية، لأن التشدد وتوجيه اللوم والانتقادات لن تجدي نفعا.
ولعل استبدال ساكاشفيلي يمكن أن يكون، في نظر موسكو، الخطوة الأولى والأكثر نفعا من جانب الغرب، نحو تفاهم مشترك مع روسيا لتحقيق الأمن والاستقرار في هذا الإقليم، بل وتحقيق المنفعة المشتركة أيضا.
ولعل نداء زعماء المعارضة الجورجية، الموجه إلى الأمين العام للأمم المتحدة لإجراء الانتخابات المحلية في البلاد تحت رعاية المنظمة الدولية، يكشف مدى تصاعد حدة الأزمة السياسية داخل جورجيا، ما يفرض على كافة الأطراف البحث عن بدائل، ومن سيكون قادرا على طرح البديل الأفضل، سيحقق الأمن والاستقرار في القوقاز وفق رؤيته ومصالحه.
خبيرة الطاقة الروسية