بينما لا نزال في ظلال الذكرى الأولي للحرب العدوانية الوحشية الصهيونية على الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة، لا تبدو هناك حاجة للتأكيد على أن القضية الفلسطينية بأبعادها الوطنية والقومية والدينية، كانت ولا تزال وستبقى هي قضية الشعوب العربية والإسلامية الأولى.

وبأن دروس الماضي تعلمنا أن إرادة الحق والعدل الحرية تبقى فوق كل إرادة استعمارية، وأن الاستعمار مشروع فاشل والاحتلال الأجنبي مهما بلغت قوته ووحشيته ومهما طال أمده، مصيره إلى الرحيل والزوال.

كما لا تبدو هناك حاجة للتأكيد على ما تحمّله تاريخيا الشعب العربي عموما والشعب المصري خصوصا، من حروب وتضحيات على الجبهات المصرية والسورية والأردنية واللبنانية والفلسطينية، وما تحملته الدول العربية عموما والدولة المصرية خصوصا من التزامات ومسؤوليات، سعيا لإنهاء الاحتلال ولاستعادة حقوق الشعب الفلسطيني في الحياة والوحدة والاستقلال، ودفاعا عن أمنها القومي العربي ضد خطر التهديد الإسرائيلي.

وهنا ربما تبدو هناك حاجة لتذكير من نسي أو تناسى بأن الكيان الإسرائيلي الصهيوني، باحتلاله لأراض عربية فلسطينية وسورية ولبنانية بالقوة العسكرية، هو كيان عدواني استعماري استيطاني توسعي، وهو بما يملك من 200 قنبلة نووية ومن إسناد استراتيجي سياسي واقتصادي وعسكري من الولايات المتحدة ومن الاتحاد الأوروبي ومن حلف الناتو.

ومن عدوان على كل الجبهات، يمثل التهديد الأول للأمن القومي العربي ولدول «اللا اتحاد العربي»، يجب استمرار مقاومته بكل الوسائل لتحرير الأراضي العربية المحتلة ومنع التهديد الأمني للدول العربية والإسلامية.

وفي الذكرى الأولى للحرب الصهيونية الإجرامية اللا إنسانية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، والتي أدانها وجرمها الضمير الإنساني العالمي في المجلس العالمي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في تقرير القاضي اليهودي الشجاع غولدستون.

بدا ما جري ويجري على الحدود المصرية الفلسطينية، سواء مع قطاع غزة أو مع حدود فلسطين المحتلة، مشهدا من مشاهد اللا معقول واللا مقبول، أثار الدهشة والألم الشعبي الفلسطيني والمصري والعربي على السواء!

ما أثار الدهشة أولا هو انقلاب الأولويات وتبادل المواقع بين الأشقاء والأعداء، وبدلا من أن يستثمر العرب عموما والمصريون والفلسطينيون خصوصا، ذكرى العدوان الإسرائيلي على غزة مناسبة لتعزيز الإدانة العالمية لإسرائيل ولإحكام حصارها في قفص الاتهام بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فإن ما حدث بكل أسى كان هو العكس!

وبدلا من أن يستثمر العرب والفلسطينيون والمصريون مناسبة ذكرى العدوان الصهيوني، لاستعادة الوحدة الوطنية والعربية في مواجهة التهديد والخطر الإسرائيلي المشترك.

ولتوليد مزيد من الضغط العربي والدولي لإزالة الجدار العنصري الإسرائيلي العازل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولرفع الحصار الإسرائيلي اللا إنساني على مليون ونصف المليون إنسان عربي فلسطيني من الأطفال والنساء والشيوخ في غزة، فإن ما حدث بكل أسف هو العكس!

وبدلا من استثمار إدانة الضمير الإنساني العالمي للعدوان الصهيوني وللجرائم التي ارتكبت في غزة، والتي تمثلت في قرار مجلس الأمن الداعي لوقف العدوان.

والمتضمن دعوة لإنهاء الحصار لتيسير تدفق الاحتياجات الإنسانية ومستلزمات إعادة الإعمار لبناء ما دمره العدوان من بيوت ومدارس ومساجد ومستشفيات ومؤسسات أممية، فإن ما حدث بكل ألم كان هو العكس!

وبدلا من أن نطالب الحكومات الأوروبية التي عقدت مؤتمرا في شرم الشيخ برئاسة مصرية تحت عنوان «إعادة الإعمار في غزة»، بتنفيذ ما قررته من تقديم مليار ونصف المليار دولا ر لإعادة بناء ما دمره العدوان الإسرائيلي في غزة، ودعم الاحتياجات الإنسانية ودعم الاقتصاد الفلسطيني.

وطالبت فيه الدول المعنية بفتح جميع المعابر لتسهيل مرور الإغاثة الإنسانية من غذاء ودواء وكل مستلزمات إعادة البناء، فإن كل ذلك لم يتحقق منه شيء يذكر، فلم تفتح المعابر السبعة بصورة طبيعية لرفع الحصار، ولم يصل دولار واحد إلى غزة لإعادة الإعمار، بل استمر الدمار وازدادت الحالة الإنسانية سوءاً واقتربت من الكارثة، وازداد الحصار.. فهل هذا معقول أو مقبول؟!

لتستمر تداعيات استمرار بناء الجدار الإسرائيلي العنصري في الضفة الغربية، واستمرار الحصار وإغلاق المعابر إلى غزة.. وتظهر الاتهامات المتبادلة والاشتباكات بين النشطاء الأوروبيين والأميركان أعضاء قافلة «شريان الحياة الثالثة».

وبين قوات الأمن المصرية في العريش حول إجراءات مرور المساعدات الإنسانية الدولية من معبر رفح، وليحدث أكثر المشاهد إيلاما وهو تلك الاشتباكات والحجارة والرصاص المتبادل بين فلسطينيين ومصريين على جانبي معبر رفح، مما أدى إلى استشهاد جندي مصري وإصابة مصريين وفلسطينيين في الجانبين!

وأيا كانت الأسباب فالمشهد باعث على الدهشة وعدم التصديق، ومهما كانت أهمية الاعتبارات السياسية والأمنية والقانونية، فإن الاعتبارات الإنسانية لا تقل ضرورة وأهمية، ولأنه لا يمكن أن يتصور أحد أن مصر يمكن أن تشارك أو تسمح بحصار وتجويع الشعب الفلسطيني..

فالمطاوب والمعقول والمقبول الوحيد، هو أن يتكاتف العرب مع مصر لاستثمار علاقاتها بكل من تل أبيب ورام الله، للبحث عن صيغة مناسبة تضع ما هو إنساني فوق ما هو سياسي في اتجاه رفع الحصار عن غزة وفتح المعابر للأفراد ولكافة الاحتياجات، بالضوابط الأمنية والإجراءات القانونية اللازمة والمتعارف عليها دوليا، وذلك بمعاملة معبر رفح كأي معبر مصري دولي على الحدود الليبية أو السودانية أو حتى الإسرائيلية..

بما يحفظ سيادة مصر ويمد شريان الحياة العربي والمصري للشعب الفلسطيني في غزة، بلا اضطرار فلسطيني لحفر الأنفاق، ولا اضطرار مصري لبناء الجدار، ولا سماح باستمرار جريمة لا إنسانية دولية هي الحصار.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com