قد لا تكفي كلمات الدعم والتطمين التي يطلقها العرب حيال الحالة اليمنية، وهي في هذا لا تفعل شيئاً في إطار تمكين اليمن من تجاوز معضله الأمني والسياسي. بل إن كل ذلك لن يمكنه من تجاوز مصفوفة معقدة من التحديات، أخفق اليمن «كجمهورية» في التأسيس لها، منذ الإطاحة بنظام الإمامة مطلع ستينات القرن الماضي حتى الآن.

بل ان التدخلات وسياسة الأحلاف العربية التي انتعشت منذ خمسينات القرن الماضي، قد حدت من أية إمكانية حقيقية لليمن في أن يؤسس لدولته الوطنية الحديثة بالمفهوم المتعارف عليه في أدبيات العلوم الاجتماعية.

أول هذه التحديات التي باتت تواجه الجمهورية اليمنية، هو ذلك التحدي الذي في جوهره يعبر عن عجز القيادات السياسية اليمنية المتوالية التي جاءت لسدة السلطة في: أولا أن تقيم حكما مركزيا تخضع له كل الأقاليم اليمنية، فالحكومة المركزية لم تستطع يوما أن تبسط نفوذها وحكمها على غير المراكز المدنية الثلاثة الرئيسية فيها؛ صنعاء وعدن وتعز.

وثانيا: عجز هذه القيادات عن أن تقوم بتأسيس الدولة الوطنية الحديثة المتحررة من وزر التجاذبات القبلية والمذهبية، التي باتت بفعل هذا الفشل تنهش في ما هو قائم من هياكل الدولة.

بل أصبحت الدولة في واقع أمرها هي القبيلة الجديدة، ليس لكون الطبقة السياسية الماسكة بها كذلك، وإنما بفعل اختراق القبيلة للدولة أو ما «قبلّنة الدولة» (من قبيلة)، أي أن تكون الدولة غنيمة لمجموعة من القبائل أكثر منها «دولّنة القبيلة» التي تتحول فيها القبيلة لشكل من أشكال الدولة.

وفي هذه الحالة فإن الدولة إما أن تدخل في تحالف مع بعض القبائل على منافع الدولة، أو أنها تُرضي القبائل القوية النافذة في أطراف البلاد والتي قد يكون موقعها الإقليمي أو حجم نفوذها يمكنها من التحكم في طرق التجارة أو آبار النفط. وهي قبائل تعمل الدولة لإرضائها بمراكز سياسية أو إدارية أو بتسهيلات مالية، في حين يدفع عجز الدولة عن تلبية مطالب البعض الآخر من القبائل أو توفير بعض احتياجاتها المجتمعية، إلى تمردها على السلطة المركزية والتحرش الدائم بالقوى الأمنية.

من هنا حافظت الولاءات على بعدها القبلي أكثر منها ولاءات وطنية جامعة. فالدولة في نظر كثير من هذه القبائل المتمردة، في الشمال والجنوب، إن هي إلا غنيمة قد استأثرت بها بعض القبائل دون الأخرى.

فالافتقار للشرعية السياسية المبنية في جزء منها على مدى قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية لكل أفراد المجتمع، قد جعل منها، أي الدولة، هدفا للصراع بين القبائل الماسكة بها، والأخرى التي قد يطرح بعضها المسألة الطائفية كمدخل لنسج تحالفات قبلية أوسع ضد السلطة المركزية.

أما ثاني هذه التحديات فهو تحد مزدوج: سياسي ـ أمني. فالوحدة اليمينة التي هلل كل سكان اليمن في تسعينات القرن الماضي، لم تعد في نظر بعض من متمردي الجنوب والداعمين لهم إلا استئثارا شماليا مع نفر من أهل الجنوب، بالقوة ومنافعها.

وهو شعور قد عزز منه عجز الدولة عن أن تكون خدماتها الاجتماعية ممتدة لأهل الجنوب بذات القدر الذي تقدم فيه لأهل الشمال، أو في مناطق بعينها في الشمال. والواقع أن عجز الدولة عن أن تمد خدماتها واهتمامها بمناطق الجنوب هو عجز عام يكاد يشمل مناطق الشمال.

وقد قاد هذا النسيان وربما الإهمال، والذي تزامن مع تعبئة سياسية من قبل قوى سياسية جنوبية ومن قبل ما سمي في الإعلام الرسمي «المنشقين الجنوبيين»، إلى حالة من التمرد العسكري على سلطة الشمال، والمطالبة بالعودة للحالة السياسية السابقة على الوحدة.

ويرى بعض الجنوبيين أن الوحدة لم تضف إليهم شيئا على صعيد تحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، بل إنها قادت إلى الإهمال وإلى تدهور الكثير من الخدمات وانتشار الجريمة والفقر، وإلى فساد إداري ومالي لم يكن قائما بذات الدرجة قبل عام الوحدة. ومهما كانت وجاهة هذا الرأي أو التحليل، فإن التمرد الجنوبي هو تحد آخر للدولة ولعجزها عن أن لا تبدو، كفضاء عام، مجرد امتداد للقائمين عليها أفرادا أو جماعات.

ومهما كان الأمر فإن أي عودة انفصالية للجنوب عن الشمال، تعني تمكنا إسلاميا فيها. أي تمكن القوى الأكثر تنظيما وقوة في الجنوب، وهي قوى الإسلام السياسي من الوصول للسلطة، والتي قد تأتي على رأسها قوى السلفية الجهادية، كنتيجة حتمية لضعف وتواري كل القوى اليسارية والقومية، وهي عودة دون شك تنذر بخطر ماحق.

أما التحديان الآخران، أي تحدي التمرد الحوثي في الشمال، وتحدي جماعات تنظيم القاعدة المتصاعد، فهما نتاج طبيعي للعجز عن إقامة الدولة الوطنية الحديثة، وخطأ تعاطيها مع المعطى الاجتماعي والسياسي.

إن الحل يبدأ بالتأسيس الصحيح للدولة الوطنية الحديثة، دولة القانون والمواطنة التي يتمتع فيها كل المواطنين بالمنافع والمزايا بالتساوي. وهو ما يجب أن يلتفت إليه أهل الدولة في الشمال، حتى يعود اليمن سعيدا بكل أهله.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com