لم يتوقف الأمر على الخلافات بين روسيا وأوكرانيا حول ملف توريد الغاز الروسي، والذي يبدو أن تسويته تمت بصعوبة كبيرة بالنسبة للحكومة الأوكرانية، التي اضطرت لسداد ثمن الغاز الطبيعي الذي استوردته من روسيا في شهر ديسمبر 2009 من الاحتياطي الاستراتيجي للبلاد. والجديد هو الأزمة المتفجرة بين روسيا وبيلاروسيا حول أسعار النفط الذي تحصل عليه مينسك من جارتها.

ومع بداية العام أوقفت موسكو توريد النفط إلى مينسك التي أصرت على عدم سداد الرسوم الجمركية الجديدة على النفط الروسي، وطالبت باستمرار نظام الإعفاء من هذه الرسوم الذي كان ساري المفعول خلال الأعوام الماضية.

وترجمة موقف مينسك التي تحرص على التعاون مع موسكو في كل المجالات، ويعتبر توطيد التعاون العسكري مع روسيا أحد أولويات سياسة بيلوروسيا الخارجية، يساوي في لغة المال ملايين الدولارات، إذ إن فائدة إمدادات 3 .6 ملايين طن من النفط الروسي المعفية من الرسوم الجمركية لبيلوروسيا، قد بلغت 8 .1 مليار دولار في العام الماضي.

وواجهت واردات تركمانيا من الغاز إلى روسيا مصاعب جديدة، وبصرف النظر عن أن إمدادات الغاز من تركمانيا إلى روسيا توقفت في أبريل 2009، بسبب حدوث عطب في أنبوب نقل الغاز في خط أنابيب الغاز «آسيا الوسطى ـ وسط روسيا» بتركمانيا، إلا أن توريد الغاز لم يستأنف إلى روسيا بعد إصلاح الأنبوب، بسبب خلافات حول أسعار توريد الغاز التركماني والكميات التي ستلتزم روسيا بشرائها.

ولا شك أن هذا الوضع يطرح حاجة موضوعياً لبحث سبل التعاون والتنسيق بين روسيا وبلدان رابطة الدول المستقلة، خاصة أن الدول المنتجة للطاقة منها، تعتمد على شبكة نقل الغاز والنفط الروسية.

هذا الأمر يفرض على روسيا التفكير جدياً في البحث عن منظومة للتعاون مع هذه الدول، مع الأخذ بعين الاعتبار أن شبكة نقل الطاقة الروسية شيدت في العهد السوفييتي، واستفادت من إمكانات هذه البلدان أيضاً.

وإلا سينقلب السحر على الساحر، لأن الدول الغربية تسعى وتبذل الغالي والنفيس لتشييد شبكات لنقل الطاقة من وسط آسيا خارج الأراضي الروسية.

إن أحد عناصر قوة روسيا السياسية اليوم هو قدراتها التقنية على النهوض بقطاع النفط والغاز في بلدان الفراغ السوفييتى السابق، ما يعني زيادة ملموسة في الدخل القومي لكل من هذه البلدان، التي لها مصلحة حقيقية في التعاون مع روسيا.

في نفس الوقت فإن سيطرة موسكو على صادرات الطاقة للغرب يجعلها، دون أي محاولة منها لاستغلال الوضع، شريكاً أساسياً للدول الغربية لما توفره من احتياجات استراتيجية لهذه الدول.

باختصار، هذا الوضع يجعل من روسيا جسراً اقتصادياً وسياسياً بين الشرق والغرب، ويجب أن تكون لهذا الجسر رؤية عملية تراعي أوضاع الشركاء، وتأخذ بعين الاعتبار سبل حماية مصالحها ومصالحهم على المدى الاستراتيجي.

إلا أن ما يحدث هو محاولة لمساواة الشرق بالغرب في صفقات توريد الطاقة، والتمييز بينهما في قضايا أخرى سياسية، بل وحتى اقتصادية.

وسيؤدي هذا الأسلوب لأن تحاول بلدان رابطة الدول المستقلة البحث عن شركاء آخرين تستفيد منهم، وهو ما فعلته تركمانيا عندما دخلت في تحالف مع إيران، إذ بدأ ضخ الغاز إلى إيران بكميات يمكن أن تصل إلى 14 مليار متر مكعب، كما بدأت تركمانيا ضخ الغاز من حقولها إلى أوزبكستان وقرغيزيا والصين، عبر خط أنابيب لا يمر بالأراضي الروسية.

ولعلنا نذكر أن طهران حاولت وما زالت تحاول أن تتوصل لاتفاقات مع الدول الأوروبية لإمدادها بالغاز الطبيعي، ما يعني دخولها إلى مواقع التحالف الاستراتيجي مع أوروبا وإزاحة روسيا من هذا السوق، وهو ما أصبح تنفيذه ممكناً بعد توفر خط أنابيب يربط إيران بحقول الغاز التركمانية مباشرة.

لا بد أن تعمل روسيا على إيجاد صيغ للتعاون بين بلدان الفراغ السوفييتى السابق تراعي مصالح الجميع، حتى لا يؤدي عدم التفاهم إلى آثار سلبية، ليس فقط على مصالح موسكو، وإنما أيضاً على مصالح هذه الدول وبلدان القارة الأوروبية.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail