على الرغم من أن اجتماعات التغير المناخي، التي انعقدت أخيراً في كوبنهاغن، قد انحدرت إلى مستوى الشجار، فإنها شكلت أحد أبرز الأحداث في 2009. كان من المفترض أن تتمخض عن «صفقة عالمية» توقع عليها جميع البلدان المشاركة.
لكن هذا لم يحدث، وإنما كانت النتيجة الملموسة الوحيدة التي خرجت بها المفاوضات هي «اتفاقية كوبنهاغن»، وهي إعلان مبادئ والتزامات موجز، اتفقت عليه مجموعة مصغرة من الدول.
وفي أعقاب ذلك مباشرة، سمعنا استجابتين مختلفتين من قبل المعلقين على الساحة. فالبعض دفع بأن «الاتفاقية لا ترقى إلى مستوى آمالنا، ومع ذلك علينا أن نبحث عن الإيجابيات ونحاول تحقيق أكبر قدر ممكن من الفوائد حتى من تلك الاتفاقية السيئة»، في حين أعلن آخرون، ويمثلون الأغلبية الكبيرة، أن نتيجة المفاوضات كانت كارثة حقيقية.
أما ردة فعلي الشخصية فهي مختلفة عن كلا الاتجاهين، وهي أن العالم ربما يكون قد اكتشف بمحض المصادفة أفضل طريقة واعدة للبدء فعلياً في محاربة التغير المناخي، بدلاً من مجرد الكلام والكلام عن الأمر إلى ما لا نهاية. قد لا يوافق الكثيرون بالضرورة على هذا النهج، والأمم المتحدة قد تستمر في الوقوف على الهامش إلى حد ما.
ومع ذلك فإنه يبقى نهجاً واعداً، لأنه يقر بحقائق الواقع الجيوسياسي ويعمل بالانسجام معها لا ضدها.
والبلدان التي اجتمعت لإطلاق الاتفاقية هي كل من الولايات المتحدة، الصين، الهند، البرازيل وجنوب إفريقيا. وإذا تركنا جنوب إفريقيا جانباً، ونظرنا إلى البقية، فإننا سنجد أن تلك البلدان تمثل أكبر وحوش في العالم النامي، في ما يتعلق بانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، ومعها أكبر بلد ملوث في العالم الصناعي، وهو الولايات المتحدة.
وذلك إضافة إلى طيف عريض ومتنوع من الدول الأخرى التي عبرت عن رغبتها في الانضمام.
في هذه المرحلة، يتعين علينا اتباع نهج جديد في العلاقات الدولية، إذا أردنا فعلاً النجاح في التصدي للتغير المناخي، ووقف ارتفاع معدلات الحرارة العالمية عند عتبة درجتين مئويتين.
هذه الاتفاقية ليست سوى البداية، ومن الممكن البناء عليها، من حيث المبدأ، بوتيرة أسرع بكثير مما لو في ظل السيناريو المعقّد الذي كان متصوراً في كوبنهاغن. وإذا أمكن إعطاء الاتفاقية شكلاً قوياً، وفي إطار زمني قصير، فقد تساعد في كسر مأزق الجمود الحالي، الذي تنتظر فيه كل دولة أو مجموعة دول الآخرين للتحرك أولاً.
وسوف يعتمد نجاح الاتفاقية إلى حد كبير على مدى منطقية وعملية المقترحات التي ـ بحسب بنود الاتفاقية ـ ستقدمها البلدان الصناعية بحلول 31 يناير، من أجل خفض معدلات انبعاثاتها الكربونية، إذ يجب أن تكون الخطط معقولة وقوية ومقنعة، وليست مجرد قائمة أمنيات.
ما هو نوع الإطار الذي يمكن أن ينبثق عن هذا كله على المديين القصير والمتوسط؟ هل سيعني أن بلدان العالم الأًصغر والأفقر ستعاني بينما تتقدم البلدان الأكبر بمفردها؟ لا أظن أن هذا بالضرورة سيحدث، على الأقل إذا كانت الهيكلية الإجمالية صحيحة، وإذا أدركت تلك البلدان أهمية تمثيل مخاوفها الخاصة.
وفي هذا السياق، يمكن الاستدلال بإشارات مفيدة مما حدث مع منظمة التجارة العالمية، التي اتبعت مساراً موازياً.
وتحسباً لما كان سيحدث في كوبنهاغن، فقد بادرتُ إلى تطوير سلسلة من المقترحات المنسجمة مع هذا النهج في كتابي «الأبعاد السياسية للتغير المناخي»، الذي نشر قبل تسعة شهور. لقد أدى الفشل في التوصل إلى مجموعة عالمية من الاتفاقات التجارية، إلى إيجاد تنوع في الإجراءات والمنظمات التجارية.
وهذا التنوع الكبير في الجماعات والمناطق المشتركة، تبين أنه نقطة ضعف بقدر ما هو نقطة قوة. والكلام نفسه ينطبق في حالة التغير المناخي.
وإذا تم تطوير الاتفاقية بنجاح، على مدار الأشهر القليلة المقبلة، فيمكنها أن توفر اتفاقاً محورياً، لكننا سنحتاج بجانبه إلى جملة متنوعة من الاتفاقات الثنائية و«تحالفات الإرادة».
ولنفترض أن 190 بلداً كانت قد توصلت بالفعل إلى إجماع ملزم في كوبنهاغن، دون موافقة الولايات المتحدة والصين. بطبيعة الحال، ما كان من شأن أي إطار متفق عليه بهذه الطريقة أن يحظى بقيمة كبيرة، لأن هاتين الدولتين تساهمان مجتمعتين ب40 من إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية.
لهذا، كان من الأفضل على أية حال، البدء بهما أولاً ومعهما دول ملوثة كبرى أخرى، لضمان استعدادها للعمل معاً بطريقة جادة ملتزمة.
ويجب أن تعقد قمة ثلاثية أيضاً. فالاتحاد الأوروبي وجد نفسه مهمشاً في كوبنهاغن، نتيجة لمشكلته الأزلية المتمثلة في أنه لا يتحدث بصوت واحد، ولذلك ما كان بإمكانه القيام بعملية صنع القرارات السريعة، التي كان لا بد منها في المراحل المتأخرة من المفاوضات للخروج بأي نتيجة ملموسة.
لكن الاتحاد الأوروبي، الذي يمثل 550 مليون مواطن، يجب أن يكون له دور أساسي، ولعله يكون دوراً ريادياً أيضاً. ولقد عمد مطلقو الاتفاقية إلى تخطي الأوروبيين، لما لمسوه من انقسام واضح في صفوفهم بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية، حيث بدا كل منهما ككتلة متجانسة منفصلة عن الأخرى. وتجب مواصلة التأكيد على هذه النقطة المهمة.
لقد ساهم أكبر 20 بلداً ملوثاً في العالم (ومن بينها عدة بلدان نامية كبيرة) بحوالي 90% من إجمالي الانبعاثات الكربونية العالمية، منذ بداية العصر الصناعي، ولذلك فعليها ان تجتمع بشكل دوري أيضاً.
هناك مخاطر واضحة في أي مفهوم لا يركز على حث الدول جميعها على التوقيع على إطار اتفاق مشترك، لكن في هذه المرحلة، ليس هناك بديل آخر غير الاكتفاء بتوقيع مجموعات مصغرة من الدول.
عضو مجلس اللوردات البريطاني