ذات يوم، منذ حوالي عشرين سنة، جمعني صديق فرنسي مع فيليب ساغان أحد أشهر رجال السياسة الفرنسيين خلال العقود الثلاثة الأخيرة. كان قد صدر له آنذاك كتاب تحت عنوان «لويس نابليون الكبير».

وقد كتب لي في إهدائه على النسخة التي هي بين يديّ الآن ما ترجمته بأمانة: «... لم يكن لويس نابليون بحاجة للتساؤل إذا كانت لفرنسا سياسة عربية»(...). ثمّ أضاف شفاهة على ما كتبه قوله إن فرنسا لم تعرف ـ حتى آنذاك ـ سياسة عربية حقيقية. وتحدث طويلاً بحب كبير عن تونس التي وُلد فيها ولم ينقطع عن التردد إليها.

توفي فيليب ساغان قبل أيام. كان عمره عام ونيّف عندما توفي والده عام 1944 على جبهات القتال أثناء الحرب العالمية الثانية مع وحدة من القنّاصة التونسيين. من هنا كان فيليب ساغان هو أحد «يتامى» الأمّة، ومن هنا أيضاً تعلّق بها قلبه منذ الطفولة ثمّ عقله عندما كبر. وكان من الطبيعي أن يصبح ديغوليا وأن يكون والده هو قدوته. وقد رفض فيليب ساغان قبول وسام الشرف كون أبيه لم يحصل عليه.

وكانت وصيّة ذلك الأب على قصاصة من الورق لابنه الذي لم يعرفه عمليا بسبب الحرب، هي التحلّي دائما بـ «الاستقامة والشجاعة». وكانت هاتان السمتان هما مرشده في مساره السياسي الطويل الذي بدأه نائبا في عام 1978، ثم شغل مناصب عديدة كوزير وكرئيس للجمعية الوطنية الفرنسية، وكرئيس للحزب الديغولي.

وكان الكثير من الفرنسيين قد رأوا فيه رئيسا للجمهورية. أحد المعلّقين على وفاته قال: «لقد ضيّعت فرنسا تلك الفرصة».

آخر منصب شغله ساغان منذ عام 2004، هو رئيس محكمة الحسابات التي تشكّل سلطة حقيقية تحاسب الجميع في فرنسا. ولم يتردد قبل وفاته بأيام قليلة في توجيه ملاحظاته لقصر الإليزيه بسبب ما اعتبره إفراطا في النفقات. هذا رغم صداقته مع رئيس الجمهورية نيكولا ساركوزي.

فيليب ساغان ليس معروفا على المستوى الشعبي العربي، لكنه لا شك من بين أكثر الأسماء شهرة في الأوساط السياسية والمهتمين بالسياسة عامّة في العالم العربي، وخاصّة في بلدان المغرب العربي التي تعرفه ويعرفها جيّدا. ولكن ليس هذا هو الدافع للكتابة عنه بمناسبة رحيله، ولكن بالأحرى ما تكتنفه تجربته من دروس في ممارسة العمل السياسي.

لقد قال ساغان «لا» لاتفاقية ماستريخت الأوروبية التي سمحت فيما بعد بقيام العملة الأوروبية الموحّدة «اليورو». ومشى عكس التيار السائد دون تردد، لأن قناعاته كانت عكس التيار السائد.

ولا تزال عالقة في الأذهان تلك المناظرة التلفزيونية التي خاضها في مواجهة الرئيس الفرنسي آنذاك فرانسوا ميتران، الذي قرر يومها طلب موافقة الفرنسيين على تلك الاتفاقية في استفتاء شعبي عام.

فيليب ساغان هو الذي قاد معسكر من قالوا «لا» لاتفاقية ماستريخت. ذلك تحديدا باسم «الأمّة» والقيم «الجمهورية». من الهام التذكير هنا بأن استطلاعات الرأي كلّها كانت تدلّ عند طرح الاستفتاء على الاتفاقية المعنيّة، أن الإجابة بسنعم» تحظى بأغلبية واضحة وبفارق كبير، بحيث أن الاستفتاء بدا بمثابة عمليّة شكلية.

لكن الفارق يوم «الامتحان» لم يتجاوز الـ 500 ألف صوت من أصل حوالي 30 مليون ناخب. صحيح أن اتفاقية ماستريخت قد «مرّت». لكن المفاجأة كانت صاعقة.

لم يكن موقف ساغان متحزّبا، إذ كان بين حلفائه تيار هام من اليسار.

بل كان موقفه يقوم على شيء واحد هو حبّه لفرنسا، وعلى ما يعتقد أنّه مصلحة الفرنسيين. وقد حرص على أن يبقى باستمرار قريبا من فرنسا التي تعمل، «فرنسا الشعب». هذا ما يعترف به أيضاً خصومه السياسيون.

كانت قدوة فيليب ساغان في ما يتعلّق بفكرته عن فرنسا، هي الجنرال ديغول الذي حفظ عنه عن ظهر قلب قوله: «فرنسا هي كل متكامل، وهي جميع الفرنسيين. فرنسا ليست اليسار، وفرنسا ليست اليمين.

والزعم أنه تمكن إقامة فرنسا بجزء فقط هو خطأ فادح وخطير. والزعم بإمكانية أن يمثّل جزء فقط فرنسا كلّها هو خطأ وطني لا غفران له. أنا لست في جانب ولست ضد جانب آخر. أنا من أجل فرنسا».

الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، وبحضور أعضاء الحكومة ورئيسي جمهورية سابقين، هما جاك شيراك وفاليري جسكار ديستان، ورؤساء جميع الأحزاب السياسية الفرنسية الرئيسية اليمينية واليسارية، ألقى باسم الأمة كلمة الوداع الأخير للراحل، قبل نقل جسده لدفنه في قرية صغيرة في جنوب فرنسا بالقرب من شاطئ البحر المتوسط الذي أحبّه. وجاء في ما قاله: «العزيز فيليب (...) بدخولك معترك السياسة لم تختر مهنة، بل بحثت عن إعطاء معنى لحياتك».

لقد قال الرئيس الفرنسي بهذا الكثير عن الذي اعتبر الكثيرون هنا أنه بذهابه «انتهت حقبة كاملة». وقال الكثير أيضاً مما يستحق التأمل في تعريف المعنى الأصيل لممارسة العمل السياسي.

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr