بعد أكثر من تسع سنوات من الحرب التي شنتها أميركا على «الإرهاب»، ما زالت إشكالية معالجة هذه الظاهرة مطروحة وبحدة، وبعد كل الطرق والسبل والاستراتيجيات، ها هي أميركا تعود إلى نقطة الصفر لتحارب الإرهاب بالقوة وبالطرق الردعية التي تزيد من تفاقم المشكلة، أكثر من حلحلتها.

تواجه أميركا والدول الأوروبية مشاكل عدة في التعامل مع الإرهاب ومعالجته، حيث كشفت محاولة النيجيري عمر الفاروق عبد المطلب، تفجير طائرة أميركية باستخدام مادة متفجرة، الفشل الذريع لهذه الدول في سبل تعاملها مع احتواء الإرهاب والقضاء عليه.

فالأمر لا يتطلب تصعيد الإسلاموفيا وترهيب البشر من أي شيء له علاقة بالإسلام، ولا يتطلب عسكرة المطارات وتدجيجها بالأسلحة والعساكر ورجال الأمن.

ما لم تفهمه أميركا وحلافاؤها في الغرب، هو أن الإرهاب ظاهرة سكنت العقول قبل أن تتحول إلى أعمال إجرامية، وأنه فكر وأيديولوجية وتعبير عن ظلم وسلب للحقوق ومشاكل وتجاوزات. الإرهاب ظاهرة نفسية، سيكولوجية، اجتماعية ومرضية، يجب أن تعالج بطريقة منهجية بعد تشخيص الداء ووصف الدواء.

بعد محاولة الشاب النيجيري الفاشلة، سارعت أميركا مباشرة إلى وضع قائمة بعدد من الدول العربية والإسلامية، لمراقبة ومضايقة رعايها عند السفر إلى أميركا. لكن مضايقة الركاب لا تعالج مشكلة الإرهاب ولا تحلها، فالأمر يتطلب دراسة متأنية لأسباب الإرهاب والعوامل التي تؤدي إلى نموه وانتشاره.

فبعد أزيد من تسع سنوات ما زالت أميركا لم تتعلم الدرس، وما زالت تعالج الإرهاب بالإرهاب وعادت إلى نقطة البداية.

أهم ما يميز الإرهاب في نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة هو تدويله، من خلال التعاون بين العديد من المجموعات الإرهابية، وإقامة شبكات قوية عبر القارات لهذه المجموعات، من أجل التمويل والتدريب وتوفير الوسائل اللوجيستية والأسلحة والأموال.

ستبقى أحداث 11 سبتمبر 2001، من دون أدنى شك، الحدث الإرهابي الأهم في هذا القرن، نظرا لعدة اعتبارات من أهمها عدد الضحايا ودقة التخطيط وطريقة التنفيذ، والبلد المستهدف وهو الدولة الأعظم والأقوى في العالم.

دلالات 11/9 تشير إلى قراءة جديدة للإرهاب في القرن الحادي والعشرين، حيث أنه يهدد ويصل إلى أي دولة في العالم، بغض النظر عن قوتها وحجمها وخبرتها في الأمن القومي والدفاع عن نفسها. فالرسالة واضحة، وهي أنه لا توجد دولة في العالم بمنأى عن الإرهاب.

وأميركا تصدر سنويا قائمة بالدول التي ترعى الإرهاب حسب معاييرها ومقاييسها، ووفق تطور علاقاتها مع هذه الدول بالسلب أو بالإيجاب، وهذه القائمة يتبناها العديد من الدول، مقتنعة بذلك أو مرغمة. وهكذا أصبح الإرهاب متغيرا أساسيا في العلاقات الدولية، وأصبح أداة في يد الدول الفاعلة في النظام الدولي لتحقيق مصالحها وأهدافها.

وعملا بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة، فهناك العديد من الدول، وبعضها يدعي الديمقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان، يستعمل الإرهاب كجهاز وإدارة مثل مؤسسات الدولة الأخرى، لكن في السر والخفاء.

يقول الدكتور عبيدات في هذا الشأن: «إن فهم ظاهرة إرهاب الدولة يتطلب فهم أجهزتها الاستخبارية، التي تقوم سرا بما عجزت عن تحقيقه الدولة علنا، أو الذي لا ترغب الدولة في أن يُنسب إليها مباشرة، كتمويل بعض المنظمات الموجودة في دول أخرى لاستخدامها كوسيلة للتخريب أو الضغط، أو للتصفيات الجسدية كما عملت فرنسا حينما دعمت منظمة «الجيش السري» لتفتك بحركة التحرير الوطني الجزائرية».

لقد غيرت أحداث سبتمبر 2001 مفهوم التاريخ والأمن القومي والاستراتيجي. وما زاد المشكلة تعقيدا وخطورة هو أن نظرة الولايات المتحدة للإرهاب ومكافحته نظرة ضيقة، مركزية الذات والهوية، ذات أبعاد محلية وداخلية، بعيدة عن الموضوعية والبعد الدولي.

فالإرهاب لا يتحدد في شخص بن لادن أو القاعدة ولا ينتهي عند طالبان؛ كما أن محاربة الإرهاب بالإرهاب لا جدوى من ورائها، أضف إلى ذلك أن القوى العظمى، لا ترى في حلول الإرهاب الأسباب والجذور، بل تركز على القشور والانعكاسات والنتائج، وعلى الحلول التجميلية الظرفية التي سرعان ما يخفت تأثيرها ويعود الإرهاب من جديد كالنار من تحت الرماد.

ما يعني أن المنظومة الدولية والدول الفاعلة في النظام الدولي، مطالبة بإعادة النظر في التعامل مع الإرهاب، وبعقد مؤتمر دولي من أجل أمن واستقرار البشرية جمعاء ومن أجل التعاون والتكامل، بدلا من الصراعات والنزاعات التي توفر الأرض الخصبة لانتشار الإرهاب وعدم القدرة على مكافحته أو إيجاد الحلول الناجعة للحد منه.

فإصدار قائمة بدول مارقة أو مصدرة للإرهاب لا يحل المشكلة، كما أن مضايقة رعايا عدد من الدول العربية والإسلامية عند سفرهم إلى الولايات المتحدة الأميركية وإلى الدول الأوروبية، لا يحل المشكلة كذلك.

ما يجري هذه الأيام في فلسطين والعراق وفي أفغانستان وباكستان، يوحي بمؤشرات خطيرة تغذي وتضاعف فرص انتشار الإرهاب في العالم، عندما يسود الاستبداد والظلم وانعدام العدالة والمساواة واحترام الآخر، وعندما تبقى الأمور على حالها والعالم يتفرج ولا يحرك ساكناً.

عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae