السؤال مع مفتتح العام الجديد، حول سير العالم ومصائر البشر، يتوازى مع السؤال حول أوضاع العالم العربي ومصائر مجتمعاته. ذلك أن العرب هم جزء من العالم يتأثرون به كما يؤثرون فيه على هذا الوجه أو ذاك، بصورة سلبية أو إيجابية.

وإذا كان العالم في سيره وتطوره ينفتح على السلبيات كما على الإيجابيات، بحيث يوّلد الصدمات والأزمات، كما يخلق الإمكان لتحقيق المنجزات أو المعجزات، فإن مما يؤسَف له أن العوامل السلبية تفعل فعلها أكثر ما يكون في العالم العربي والإسلامي عامة. طبعاً هناك استثناءات تمثلها دول الخليج، التي هي أصلاً استثناء في مواردها الهائلة قياساً على قلة سكانها.

ومن المفارقات في هذا الخصوص أن بعض الدول العربية في عصر النهضة والاستنارة، كانت متقدمة على اليابان وبلدان شرقي آسيا، فإذا بهذه البلدان تحقق قفزات نوعية وتصنع معجزات تنموية، بحيث أصبح العرب وراءها في مجالات التحديث ومساحات القراءة ومعدلات النمو.

وهكذا، ففيما نجد أن بلدان العالم تتعامل مع الأزمات بمنطق الدرس والتحليل، لاستخلاص الدروس والعِبَر، وابتكار وسائل للمقاربة والمعالجة، وفيما تُثمر الثورات والتحولات العلمية والتقنية، ثمارها المفيدة والبناءة، في غير بلد، بما فيها بعض البلدان الإسلامية كماليزيا وتركيا، نجد في المقابل أن المتغيرات العالمية تثمر ثمارها السيئة أو العقيمة أو المدمرة، في غير بلد عربي يجتاحه التطرّف والعنف، لكي يغرق في حروبه الأهلية التي تستنزف الجهود وتطيح بالمكتسبات.

فتركيا تزيل الحواجز بينها وبين عدوتها التاريخية أرمينيا، فيما تُنصب الحواجز عندنا بين الدول والطوائف والأحزاب، بل إن العلاقات التي يقيمها بعض الدول العربية مع دول غير عربية، هي أفضل بكثير مما بينها وبين دول عربية أخرى.

وها نحن نشهد قبل نهاية العام المنصرم، انفجار الأزمة في اليمن بوجهها المرّكب: تمرد الحوثيين، وإرهاب القاعدة، والحراك الجنوبي المطالب بالانفصال. بذلك ينضم اليمن إلى لائحة الدول العربية المصابة بداء العنف والإرهاب، فضلاً عن داء التخلّف والفقر.

ومن المعلوم أن الجرح عندما ينفتح، في أي بلد، يستمر بالنزف ولا يعود من السهل لأمه، والحصيلة هي تفكك المجتمعات وهدر الطاقات. فكيف نفسّر هذا التراجع والنكوص؟ أين مكمن العلَّة؟ لن نعود إلى نظرية المؤامرة، ولم يعد مقنعاً ردّ أسباب التردّي إلى الصراع العربي الإسرائيلي، أو إلى الضغوط التي تمارس على العرب من الخارج، من جانب القوى العظمى والدول الفاعلة الطامعة بالغنيمة والثروة.

ذلك أن تزايد الضغوط من الخارج، الإقليمي أو الدولي، هو سبب أولى للتضامن والتوّحد والعمل على وقف الصراعات الداخلية. ومع ذلك، فما يحصل هو على العكس: المزيد من الانقسام والتمّزق.

وإذا كان لي أن أقارب الأزمة من حقل اختصاصي، فإني أرى أن العلَّة تكمن في العقول والأفكار، في الرؤى والتوجهات، في النظريات والاستراتيجيات؛ كما يتجسّد ذلك في الفكر الأحادي والمعتقد الاصطفائي، في العقل الدغمائي والمنطق الإقصائي، في المشاريع الشمولية والأنظمة الاستبدادية.

وخاصة في عبادة الأصول وتقديس النصوص. يستوي في ذلك الأصوليون والعلمانيون، القوميون واليساريون... كلا المعسكرين، التراثي والحداثي، أخفق في مشاريعه، وترجم شعاراته بأضدادها.

كلاهما تعامل بمنطق التأليه والتقديس، أو المماهاة والذوبان مع النصوص والأفكار أو مع الأشخاص والأشياء. فالمنطق واحد وإن اختلف الشعار بين معسكر قومي وإسلامي ويساري.

وبحسب هذا المنطق تعطى الأولوية للنص والشريعة والخلافة والفتوى والحجاب والمرشد، أو للعروبة والاشتراكية والثورة والمقاومة والحزب والزعيم الأوحد، على الدولة والوطن والقوانين والمصلحة العمومية والحياة المشتركة. وهذا هو الداء الأعظم الذي يفتك بالمجتمعات العربية، لكي يلّغم العلاقات بين الجماعات والطوائف، والدول، ويعرقل مشاريع التحديث والتنمية. إنه داء الاصطفاء وفخّ الوحدانية.

وهذه هي حصيلة النماذج العقائدية الثورية والتحررية النضالية والجهادية. نحن إزاء عملة أيديولوجية يشتغل أصحابها بإلغاء الحريات وتقويض الحياة المدنية وعسكرة المجتمعات، تحت هذا الشعار أو ذاك. الأمر الذي حوّل المثقف الحداثي إلى ديناصور فكري أو إلى ملحق أصولي، بقدر ما حوّل الداعية السلفي إلى تنّين إرهابي.

لا شكّ أن الأصولية الدينية فاقت الأصوليات القومية واليسارية، بما جرّته من الهلاك والخراب، مستجمعة بذلك مساوئ كل ما سبقها من المشاريع. ذلك أن هذه الأصولية، إضافة إلى معتقدها الاصطفائي وفكرها الشمولي ومنزعها الطوباوي، لم تشكّل موجة حضارية ولم تكن صحوة تنويرية، بل أتت للثأر والانتقام، وكانت مجرد ردّ فعل ضدّ ما أتى به العالم الحديث من التحولات والإنجازات.

من هنا العودة المرعبة للدين على المسرح، عبثاً وجنوناً أو بربرية وإرهاباً. خلاصة القول إن أول الدروس المستخلصة من الأزمة هو المراجعة النقدية. هذا ما تفعله المجتمعات التي تمارس حيويتها الوجودية المعرفية والسياسية، في مواجهة الأزمات والاستحقاقات.

أما العرب فإنهم يهربون، غالباً، إلى الأمام، لكي يلقوا المسؤولية على الغير، فيما جذر العلَّة يكمن في الداخل. فما عاد يجدي حل المشكلات أو إدارة الدول وبناء المجتمعات، لا بشعار أنا أو لا أحد، ولا بعقلية الزعيم الأوحد، ولا بالحشود المرصوصة والقطعان العمياء التي تمارس طقوس العبادة للزعماء، لتحويلهم بدورهم إلى عبيد لسلطاتهم وألقابهم ونزواتهم وخرافاتهم.

وبالطبع، لا ينمو مجتمع أو يزدهر بعقلية النخب الثقافية النرجسية، التي تشهد على جهلها بمحركات الشعوب وعمل المجتمعات. ومن باب أولى ألا ينمو مجتمع أو يدار شأن بالعودة إلى تعاليم وقوانين العهود السالفة، كما يريد الدعاة وحماة الثوابت سلفيين وأصوليين.

لا مفر من تغيير طريقتنا في التفكير والعمل في التدخل والتدبير، بحيث يجري التعامل مع كل فرد بوصفه مواطناً، مختصاً ومنتجاً، فاعلاً ومؤثراً، بقدر ما هو وسيط وشريك في تشخيص مشكلته، أو في تحسين أوضاعه أو في بناء بلده. ومن نستبعدهم من مجال الفاعلية والتأثير يفعلون بصورة مضاعفة، ولكن سلبية.

فهل ننجح في خرق الجدار وفتح الأفق باجتراح أفكار ووسائل جديدة في مواجهة التحديات؟ نحن على المحكّ.

كاتب ومفكر لبناني

harb@cyberia.net.lb