«لن أقرأ الصحف».. بهذه العبارة بدأ قارئ حديثه وهو يعبر عن حالة الانزعاج التي بدأت تظهر عليه وهو يتصفح الصحف اليومية، يقول: وربما كان معه كل الحق فيما ذهب إليه ؟

لم أعد أجد أي متعة في قراءة الصحف اليومية، ولم تعد عادة القراءة منذ الصباح الباكر مع رشفة فنجان القهوة تلح علي كما كانت أيام زمان، ولم أعد أتشوق لمعرفة الجديد أو لمتابعة أخبار أحداث اليوم الماضي، ولم أعد أقرأ وأستنتج تفاصيل من قراءتي لخبر ما في صحيفة ما.

وخفت وهج اهتمامي بكل ما ينشر واختفى فضولي القوي لما يجري حولي، لأنه وببساطة شديدة لم يعد هناك ما يثير ذلك الولع والتعلق بالصحيفة التي كنت أنتظر صدورها صباح كل يوم بشوق، أتلمس أوراقها التي تخلف حبرا أسود على يدي برائحته النفاذة، أتصفحها صفحة صفحة أتمعن في كل خبر وكل موضوع فيها، وأعيد قراءة بعضها، وأكمل قراءة بعضها عند المساء.

أما اليوم- فحسب تعبيره- لا أنكر أن الصحف طورت شكلا ومضمونا، حجمها أصبح بالكيلو وزادت صفحاتها وأبوابها، زادت مساحات الإعلانات فيها، أصبحت الصحف ملونة والصور فيها كثيرة، لكن نسبة كبيرة من أخبارها أصبحت تبعث على الضيق والضجر وربما الترقب والخوف من شيء ما.

فمن صور لسيارات ضاعت ملامحها بعد أن فرمت تحت عجلات الشاحنات أحيانا، ولا يظهر في موقع الحادث سوى بقايا من مقتنيات من قضى في الحادث ودمائه المسكوبة على الطريق، إلى آخر راح ضحية سرعة جنونية، إلى سلسلة من الحوادث والجرائم التي تدور جميعها حول الاعتداء على الأطفال وهتك العرض، إلى جرائم السرقة والنهب والسطو والقتل، جميعها تشعر الفرد وكأنه يعيش في غابة القوي يتربص فيها للفقير ويتحين الفرصة للانقضاض على الفريسة.

يستدرك قائلا: نعم أعلم أننا لا نعيش في المدينة الفاضلة، ولم يعد مجتمعنا الصغير البسيط كما كان، بل أصبح من التعقيد ما يصعب على المرء استيعاب ما يجري فيه، لكن ما يقع فيه من أحداث وجرائم يصعب على العقل تقبله.

أخبرته أن هذا هو حال جميع المجتمعات وما تفعله الصحف ليس أكثر من نقل لجزء من أجزاء كبيرة تحملها ملفات مراكز الشرطة ودوائر النيابة وأروقة المحاكم، اختلفنا أو اتفقنا تبقى هذه الأخبار في دائرة اهتمام الرأي العام للعلم بها وربما الاستفادة منها.

fadheela@albayan.ae