أي مكان ذلك الذي يريده رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان لتركيا؟ وما هي الرسائل التي يريد إيصالها بهذه البانوراما السياسية الفاقعة؟ لاحظوا الرجل انه يمضي بعيداً في أكثر من اتجاه، فمن ناحية هو يقترب من عرب الشرق بانسيابية تحمل دفء الأخ الأكبر، الذي عاد بعد طول غياب، ولقد تفوق زعيم حزب التنمية والعدالة على المسلسلات التركية، وكأني به ينحي أبطال الدراما جانباً ليقول:
أنا هنا، وقريباً سيتم إطلاق قناة فضائية تركية باللغة العربية، تتجاوز كل الترجمات والدبلجات، لتخاطب الشعوب بعد أن وقع أردوغان مع الزعماء ما يكفي من اتفاقيات، فهنا سد «المحبة» مع سوريا الجارة.
وهناك استقبال حار لرئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري تمخض عنه توقيع اتفاقية إلغاء تأشيرات الدخول بين البلدين، بعد اتفاقيتين مماثلتين مع كل من دمشق وعمان، مما يمهد الطريق أمام منظومة إقليمية اقتصادية جديدة، بل هي صياغة التاريخ بفرشاة الجغرافيا وأنامل أردوغان.
ولا ندري أين نضع حصول رئيس الحكومة التركية على جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام، حيث قررت أمانتها برئاسة ولي العهد السعودي منحها لرجب طيب، نظراً لأنه يمثل «نموذجاً للقيادة الواعية الحكيمة في العالم الإسلامي» وهنا الجائزة تلبست السياسة في أبهى حلة فرجل تركيا الأول صدقاً لم يقدم ما يمكن كنزه في مجلد خدمة الإسلام لكنه كان بحق صاحب موقف في أكثر من قضية.
في الجانب الآخر، يمضي أردوغان بعيدا في توتير العلاقات مع إسرائيل التي تجمعها مع تركيا علاقات سياسية لها جذور تمتد من الدبلوماسية وحتى المناورات العسكرية المشتركة.
وهو أي أردوغان لا يترك فرصة إلا وهاجم فيها همجية تل أبيب، ولعل آخرها تهديده بأن أنقرة لن تبقى صامتة إزاء انتهاك إسرائيل للقرارات الدولية، خاصة لتجاوزها المتكرر للمجال الجوي والمياه الدولية في لبنان، وإن وزراءه سيحذرون وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك من خطورة تهديد السلام الدولي خلال زيارته المرتقبة إلى تركيا الأسبوع المقبل.
وتبادل التصريحات النارية بين الجانبين هي أكبر الآن من أن تستوعب في إطار الاختلاف في وجهات النظر، ورشق السفير الإسرائيلي في أنقرة بالبيض، وإهانة السفير التركي في تل أبيب وردود الفعل المتبادلة، هي جبل الثلج الذي يستوجب بحثاً في ثلثيه الغائرين في أعماق الخفي بين الطرفين.
وها نحن في موسم الشتاء، حيث الأعاصير تتشكل في المحيطات الواسعة لتهب على يابسة البشر، فهل ابن الأناضول بكل ما يحمله من فكر وحراك مكثف وسريع هو تسونامي إسلامي قادم هذه المرة باتجاه عكسي من أسوار القسطنطينية بعد أن أدى الصلاة في مسجد آيا صوفيا.
