نشر الأستاذ فهمي هويدي مقالا بعنوان «المصريون الحقيقيون والمصريون الجدد». في الخامس من يناير الحالي، مشيراً إلى قلة من المصريين مُعادين للقيم الوطنية العربية الإسلامية على رأسها قضايا الاستقلال ومساندة الفلسطينيين ونبذ العروبة وتمجيد التعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة.

ويلفت النظر في تحليل الأستاذ هويدي ارتكازه على ما حدث في أعقاب مباراة كرة القدم بين مصر والجزائر، واعتماده على استقراء شخصي حاول من خلاله أن يرصد ملامح هؤلاء المصريين الجدد وحجم تأثيرهم على الساحة الوطنية والإعلامية المصرية في ظل غياب كبير للدراسات السياسية الأكاديمية التي ترصد واقع القيم السياسية في مصر والعالم العربي.

والحديث عن تحولات القيم يتسم بقدر كبير من الصعوبة على المستويين الاجتماعي والسياسي بسبب محاولته الوقوف على تحولات البشر وتوجهاتهم القيمية الجديدة، كما أنه لا يستطيع أن يرصد ويحلل ذلك عبر فترة زمنية محدودة ولكن عبر فترات تاريخية طويلة قد تصل لعقود عديدة.

إضافة إلى ذلك فهو تحليل لا يمكن إجراؤه من خلال التناول الكمي الإحصائي بقدر اعتماده غالبا على التحليلات والتفسيرات الكيفية والتأويلية وهو أمر يحتاج لنوعية متميزة من الباحثين ذوي الإمكانيات والقدرات العلمية العميقة والرصينة. وهي مسألة يجب أن يوجه لها علماء الاجتماع والسياسة المزيد من الاهتمام في ضوء تحلل القيم العربية بدرجة غير مسبوقة في السنوات الأخيرة.

وبقدر الجوانب المهمة التي وقف عليها الأستاذ هويدي، إلا أن هناك مجموعة من النقاط يجب التوقف عندها بخصوص تحليله:

1- أن قصر التشوهات التي أصابت بنية القيم المصرية على شريحة محدودة من الإعلاميين والمثقفين ورجال الأعمال فيه تبسيط كبير لمجريات الواقع المصري منذ السبعينيات وحتى الآن من ناحية أن التشوهات أصابت قطاعات واسعة وكبيرة من المصريين وليس شريحة ضيقة منهم كما بين الأستاذ هويدي.

2- طالت هذه التشوهات مختلف الشرائح الاجتماعية وبشكل خاص أبناء الطبقة الوسطى الذين وجدوا أنفسهم فجأة وقد تخلت عنهم الدولة تماما، الأمر الذي أدى بهم إلى البحث عن طرق ووسائل أخرى فردية من أجل تأمين مستوياتهم الحياتية، ويمكن الإشارة هنا إلى التحولات التي أصابت المعلمين والانتشار الهائل للدروس الخصوصية كحل تعويضي عن تدهور مكانتهم المادية والمعنوية.

3- أن التركيز في المعارك الصحفية على مقاولي الكتابات والمتزلفين للسلطة والناعقين باسمها رغم أهمية ذلك يؤدي إلى إهمال السياق الكلي والتحليل الموضوعي المتعمق، ويشوه القضايا المتناولة.

وهي مصيدة خطيرة يجب أن ينتبه إليها الأستاذ هويدي مستقبلاً. فالمستفيد من هذه المعارك هم أذناب السلطة الذين ليس لديهم أي قيم حقيقية يستندون إليها أو أي رأسمال حقيقي يخافون عليه؛ فهم رجال كل زمان ومكان!

4- إن تسرب القيم من بين أيدي البشر مسألة مُوجعة ومؤلمة على المستويين النفسي والاجتماعي، ولا يمكن تحملها والتعايش معها إلا من خلال خلق أطر جديدة تكفل التخفيف من حدتها وتأثيراتها، وهي مسألة تنكشف آلياتها من خلال استشراء حالة واسعة من التدين المظهري المرتكز على إقامة الطقوس والشعائر بعيدا عن السلوكيات الفعلية في الممارسات اليومية.

كما تنكشف أيضاً من خلال موجة الشعارات في حب مصر التي أشار إليها الأستاذ هويدي في أعقاب مباريات كرة القدم المختلفة أو حتى من خلال التنديد بحماس والفلسطينيين كما يحدث الآن.

5- لا يعود ذلك لافتقاد المصريين لوطنيتهم وانتماءاتهم الوطنية والعربية والإسلامية، فهذه القيم قد تضعف ويصيبها التشوه لكنها لا تموت ويمكن استعادتها وتقويتها مرة أخرى، بقدر ما يعود لجوانب سياسية كثيرة أوردها الأستاذ فهمي في مقالته مثل انسحاب مصر عن دورها التاريخي وتراجعاتها المتواصلة على المستوى العربي.

6- ورغم ذلك فإن الوقوف فقط عند المستوى السياسي يُفقد التحليل عمقه وموضوعيته، فالضغوط الاقتصادية الهائلة التي تعرض لها المصريون منذ السبعينيات وحتى الآن أوصلت الكثير منهم لحالة من اللهاث اليومي من أجل توفير لقمة العيش.

وفي مثل هذه الأجواء يتنازل المرء عن الكثير من قيمه الهامة مثل ضميره ومصداقيته وربما كرامته طالما أنه يجد منفذا يحقق من خلاله قوت يومه.

7- لا يختلف المصريون في ذلك عما يحدث في باقي الدول العربية، فكلٌ يفقد قيمه بشكل أو بآخر، كما أن هناك تنازلات قيمية للأغنياء مثلما الحال مع الفقراء، وهي مسألة أهملها الأستاذ هويدي منذ فترة طويلة في معظم مقالاته التي ينتقد فيها الأوضاع الجارية في مصر؛ فالأمر يستدعي هنا توسيع الرؤية الإقليمية وعدم اقتصارها على مصر حتى تتضح الصورة بجلال أكثر وبموضوعية أكبر.

8- وفي هذا السياق لا يمكن تجاهل حالة الصمت العربي الرسمي تجاه ما يحدث في مصر وبشكل خاص تجاه الفلسطينيين، وهى حالة أقرب للتواطؤ وشراء الدماغ.

كما لا يمكن تجاهل أدوار بعض القوى المتنفذة في المنطقة التي لها مصلحة كبيرة في إغراق مصر أو في أحسن الحالات الإبقاء على وضعيتها الراهنة، صحيح أنه لا يمكن إعفاء مصر من مسؤولية ما يحدث، لكن المتعارف عليه أن قوة مصر تأتي من قوة العرب والعكس صحيح أيضا.

وأخيراً يظل السؤال قائماً، كيف تتحلل قيم الأفراد يوما بعد يوم؟ وكيف يتنازلون عن أشياء بدت لهم من مقدسات حياتهم وجذورها الراسخة؟ تساؤلات تحتاج لتناول مستقل، والله المستعان.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com