من هو شينوا أشيبي؟

ربما لا تجد طالبا واحدا في الجامعات السودانية يعرف اسم هذا الرجل الذي يعتبر الكاتب الروائي الأول والأشهر في إفريقيا (جنوب الصحراء).

لكن أذكر اسم نجيب محفوظ أو إحسان عبدالقدوس أمام جمع من الطلاب الجامعيين وستكتشف انه اسم مألوف لديهم أو لدى غالبيتهم ولو سماعيا.

وهكذا لن يعرفوا ليوبولد سنغور السنغالي الذي يعتبر شاعر إفريقيا الأشهر لكنهم قطعا يعرفون أحمد شوقي وحافظ إبراهيم ونزار قباني وأبو الطيب المتنبي.. وغيرهم كثير. ولنستعد إلى الأذهان أن المطارحة الشعرية كانت من بين هوايات شباب المدارس والجامعات السودانية.. وربما لاتزال.

وللحديث مناسبة.

طالعت مقالة في صحيفة سودانية يتساءل فيها الكاتب عن هوية السودانيين: عربية أم إفريقية؟

ورغم أن الكاتب لم يشأ أن يحدد رأيا قاطعا إلا أني أرى أن مثل هذه المناقشة - أو المناظرة - لا تخلو من صعوبة مبدئية من حيث إننا بينما نعرف جميعا ما هي الثقافة الحضارية العربية فإن «الثقافة الإفريقية» ليس لها تعريف على الإطلاق.

هذه معضلة عظمى.

الثقافة العربية لها تراث قديم وحديث.

وهذا التراث بجانبيه القديم والحديث ينبع من لغة واحدة يتكلم بها كلغة أم نحو 300 مليون من البشر.

فما هي «الثقافة الإفريقية»- إذا وُجدت؟

أولاً لا يوجد ما يصح أن نطلق عليه «التراث الفكري الإفريقي» سواء من حيث القدم أو من حيث الحداثة. فابتداء لايوجد ما يمكن أن نعتبره لغة إفريقية قومية يتكلم بها الأفارقة أجمعين بطول القارة وعرضها.

هناك بالطبع شعوب الشمال الإفريقي العربي - المغاربة والجزائريون والتونسيون والليبيون بالإضافة إلى المصريين. هؤلاء تجمع بينهم اللغة العربية بلهجاتها المتنوعة باعتبارهم الشق الغربي للأمة العربية.

لكن توجه إلى الشعوب الإفريقية جنوب الصحراء وستجد تشكيلة متنوعة من عشرات - إن لم يكن مئات - اللغات الإفريقية.

بالطبع توجد عدد محدود من اللغات الإفريقية تتكلم بها تكتلات إفريقية كبيرة نسبيا كلغة الهوسا في نيجيريا الشمالية واللغة السواحلية في بلدان شرق إفريقيا. وهكذا لغياب لغة قومية للشعوب الإفريقية قاطبة فإن الأفارقة يتواصلون لغوياً فيما بينهم عبر لغتين مستوردتين من أوروبا: الإنجليزية والفرنسية. وربما يجوز أن يضاف إليهما لغة أوروبية ثالثة: البرتغالية. وبالطبع فإن هذا التواصل بلغات أجنبية محصور في النخب المتعلمة.

لذا لا أفهم تماما ما يقصده قسم من المثقفين السودانيين عندما يقولون إن السودانيين ينتمون إلى «الثقافة» الإفريقية.. إذ كيف ننتمي إلى شيء غير موجود أصلا؟

القارة الإفريقية بأكملها ليست وحدة ثقافية حضارية.. وفي تقديري أنها مجرد وحدة جغرافية. وإن كان هناك عامل ثقافي واحد يجمع بين بعض من شعوبها فهو الإسلام. وفي هذا المنظور فإن بوسعنا القول إن السودان ينتمي إلى قسم من الفكرة الإفريقية يتمثل في مجموعة الشعوب الإفريقية المسلمة التي بدورها لا تمثل سوى نصف مجموع سكان القارة أو أكثر قليلا.

أقول انطلاقا من هذه الحقيقة إن السودان ينتمي إلى الثقافة الحضارية العربية الإسلامية المتمثلة في أسرة العالم العربي.

بالطبع فإن هذا الانتماء لا يشمل الجنوب وقبائله.. فأنا أتحدث عن الشمال العريض الذي يمثل الغالبية السكانية بما في ذلك قبائل الغرب وقبائل الشرق.. هذا الشمال الذي يمثل نسيجا موحدا من الحضارة العربية الإسلامية.

ولنعد إلى الأذهان أن ما نطلق عليه اليوم «جنوب السودان» لم يكن يشكل جزءا حضاريا من الشمال العربي الإسلامي.. فقد جرى ربطه بصورة مفتعلة على أيدي البريطانيين لأسباب استراتيجية تتصل بأمر السيطرة على مجرى النيل ومنابعه علما بأن المنطقة الشمالية ظلت مرتبطة لمدى قرون متصلة بتاريخ مشترك من خلال ممالك إسلامية كمملكة الفور ومملكة المسبعات ومملكة الفونج.

لقد لمست في مقالة الكاتب أنه يعتمد مسألة العرق واللون كمعيار لتحديد الهوية. وهذا ليس صحيحا.. ذلك أن «نظرية» التماثل في الدم والعرق واللون تجاوزها علم الاجتماع وفروعه. فالهوية تحددها عوامل التماثل الثقافي الحضاري.

وإذا طبقنا نظرية الدم والعرق واللون على شعوب العالم العربي اليوم فلن نجد شعبا واحدا يمكن ان نطلق عليه «العروبة». فعبر القرون الطويلة امتزجت الدماء البربرية بالدماء العربية في الشمال الإفريقي والدماء التركية بالدم العربي في مصر.. وامتزجت دماء شركسية وتركية وفارسية وقوقازية مع الدم العربي في المشرق العربي والخليج.

فقد تغلبت على وشائج الدم والعرق واللون عوامل الوحدة الثقافية العربية. وهذا هو مغزى الحديث النبوي الشريف: «العروبة ليست لكم بأم ولا أب، إنها لسان. من تحدث العربية فهو عربي».

ولكن حتى بمعيار الدم والعرق فإن قبائل الشمال السوداني تنحدر من أصول عربية تتمثل في قبائل وفدت من الجزيرة العربية إما بصورة مباشرة أو عبر مصر. ولنستذكر في هذا الصدد أن «المجموعة الجعلية» لا تشمل الجعليين والدناقلة والشايقية فحسب بل إنها تمتد لتشمل أيضا الكبابيش ودار حامد والبديرية في كردفان.

وفي كردفان أيضا ينتسب البقارة إلى قومية جهينة العربية. وكذلك التعايشة في دارفور. ولنعد إلى الأذهان أن الجد الأكبر للخليفة عبدالله، خليفة المهدي، تونس.

كاتب صحافي سوداني