ربما يعني فشل مؤتمر كوبنهاغن في ما يعني، نهاية لما بات يعرف ب«العولمة»، ذلك المصطلح الذي شاع منذ أكثر من عقد ليبين أن العالم «قرية كونية واحدة» مترابطة، ينتقل فيها الأفراد والبضاعة بحرية تامة دون قيود أو حدود، بنظام عام يسود العالم من كل أطرافه!

أظن أن الكثيرين كانوا يصورون العالم بنظرتهم المتفائلة كما كان يحلو لهم أن يصوروه، وأن الكثيرين من الذين خشوا على «الخصوصيات الثقافية» وعلى رأسها «العقائد الدينية» من طوفان التوحد والاندماج، كانوا مبالغين في خشيتهم وتخوفاتهم، ذلك أن الأيام قد أثبتت.

وكانت كوبنهاغن قشتها التي قصمت ظهر البعير، أننا وإن كان يضمنا عالم واحد وهو كوكب الأرض، إلا أن هذا العالم مقسم سياسياً إلى كيانات نطلق عليها دولاً مستقلة، كل واحدة منها ذات سيادة، تمارس سيادتها فعلياً على أراضيها الداخلة في حدودها المرسومة بدقة!

بالطبع لا أحد يجادل في مقدار التداخل الاقتصادي القائم بين دول العالم واعتمادها المتبادل، ولعل الأزمة الحالية التي يمر بها العالم قد بينت لنا كيف أن نظامين مختلفين أشد الاختلاف في توجهاتهما (الولايات المتحدة والصين)، استطاعا أن ينقذ الواحد الآخر، وكيف أن رخاء الصين سيدعم الطلب على السلع الأميركية، فضلاً عن أنه يزيد من استثماراتها داخل الولايات المتحدة، وهذا من شأنه أن يعيد الانتعاش للاقتصاد الأميركي، الذي تستثمر شركاته بكثافة على الأرض الصينية.

وصحيح أيضاً أن العالم يتجه للتكتلات الاقتصادية الكبيرة، التي تسمح فيها بانتقال الأفراد والبضائع ورؤوس الأموال بحرية كالاتحاد الأوروبي، وهو اتحاد من أكثر الدول تقدماً صناعيا في العالم ويضم فيما يضم ألمانيا (الثالثة حالياً من حيث التصدير بعد أن بزتها الصين العام الفائت)، وفرنسا وإنجلترا وغيرها.

وثمة محاولات هنا وهناك من أجل إيجاد تكتلات اقتصادية وسياسية إقليمية، كذاك القائم بين دول جنوب شرق آسيا، أو ذاك الموجود بين أقطار البحر الكاريبي. أما في دولنا العربية فخير مثال هو مجلس التعاون لدول الخليج العربي، الذي يمثل تكتلاً اقتصادياً وسياسياً فاعلاً.

غير أن كل هذا التداخل الاقتصادي الآخذ بالنمو، وكل تلك التكتلات التي أضحت تضم دولاً ذات وزن، لم تلغ الدولة القومية بحدودها المرسومة وبسيادتها التي تمارسها على أراضيها، مستخدمة في ذلك سلطتها المدعومة بالقوة الجبرية.

وكل دولة تعتبر مستقلة بحدودها، وهي تسعى وراء تحقيق مصالحها الذاتية أولاً وأخيراً، تلك المصالح التي كثيراً ما تتعارض مع مصالح الدول الأخرى وربما تتصادم معها. ولعل التاريخ الطويل من الحروب بين الدول يشي بجزء من تلك الحقيقة.

المصالح الأنانية للأمم المختلفة التي تدافع عنها الدولة القومية إذن، هي العائق الحقيقي أمام «العولمة» التي تتطلب فتح الحدود أو ربما إلغاءها، والتي تعني ضمناً إلغاء السيادة، وعدم تدخل الآخرين في شؤون غيرهم، ما دام هذا الغير يمارس سلطته على أراضيه.

بيد أن تطور الحياة قد جعل البشر يفكرون في حدود تلك السيادة، خاصة إذا كانت النشاطات التي تتم ضمن الدولة القطرية تخرج عن حدودها لتؤثر في دول أخرى، وربما تؤثر على حياة البشر على هذا الكوكب.

إحراق الغابات في اندونيسيا على سبيل المثال، وسريان الدخان إلى سنغافورة كاد أن يخنقها قبل سنوات، وأصابها بأضرار صحية وبهروب السائحين منها. وتسرب الإشعاع النووي من مفاعل شرنوبل لم يقتصر ضرره على أوكرانيا، بل تعدى ذلك إلى نطاق أوسع. وإحراق آبار النفط الكويتية أيام غزو صدام حسين، لم تؤد إلى أضرار اقتصادية، بل بيئية أيضاً لمناطق بعيدة كثيراً عن حدود الكويت.

وعلى هذا المنوال، فإن كل النشاطات المسببة للاحتباس الحراري (وهي في الأساس النشاطات التي يتم من خلالها انبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون) والتي يقوم بها البشر، إنما تتم في نطاق أسوار الدولة القومية، بيد أن تلك الانبعاثات تنطلق في فضاء مفتوح هو فضاء الكرة الأرضية، الذي لا يعترف بالحدود القائمة بين الدول.

وبالتالي يكون تأثير تلك الانبعاثات الضارة على الجميع، سواء من تسبب في تلك الانبعاثات وجنى من ورائها الرخاء الاقتصادي، أو أولئك الذين «لا ناقة لهم فيها ولا جمل»، فهم يتحملون ضررها دون أن يتلمسوا شيئاً من فوائدها!

وهنا يكمن التناقض بين «العولمة» وبين «القطرية»، ذلك أن الدول الصناعية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية مضافاً إليها الصين والهند، لا ترى بأساً في «عولمة» الانبعاثات التي تسبب الاحتباس الحراري، بيد أنها لا تريد أن تدفع ثمن ذلك، فهي لا تريد التضحية بمصالحها القومية بغية إنقاذ الإنسانية، وليست ثمة قوة تجبرها على فعل ذلك، أي على تخفيض انبعاثاتها كي يعيش الجميع بخير وسلام!

لقد أثبت فشل مؤتمر كوبنهاغن في اتفاق الدول الكبرى، وبالأخص الولايات المتحدة الأميركية والصين وإلى حد أقل الهند، أن القطرية ما زالت أقوى بمراحل كثيرة من العولمة، فعدم الاتفاق على خفض انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون، برهن على أن العالم وإن كان واحداً بالضراء، إلا أنه ينقسم إلى دول كثيرة في السراء.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com