لم تمض أيام على اجتماع وزير خارجية اسرائيل أفيجدور ليبرمان بسفرائه والطلب إليهم استخدام الخشونة في معاملة الآخرين حتى بادرت وزارة الخارجية نفسها بتطبيق هذا الأسلوب غير الدبلوماسي في التعامل بين الدول، بدءاً بالإساءة الى سفير دولة حليفة لاسرائيل وذات ثقل إقليمي ودولي لا يستهان به وهي تركيا.
ويمكن النظر إلى حادثة استدعاء السفير التركي وإهانته على نحو غير مسبوق في علاقات (الدول) لمجرد خلاف على مشهد في مسلسل تليفزيوني، من زاويتين إحداهما أقرب والأخرى أبعد نسبياً.
أما النظرة الأقرب فهي أن هذا السلوك لا يدل مطلقاً على استعداد اسرائيل للحفاظ على علاقات طيبة مع أي دولة في المنطقة خاصة اذا كانت دولة اسلامية أو عربية، ذلك لأنها تستند إلى دعم قوي من أوروبا والولايات المتحدة يساعدها على اختلاق ذرائع لكل إجراء مستهجن دولياً.
إلا أنها بذلك تقدم نفسها على أنها ليست دولة بمعنى الدولة متماسكة الأركان ذات قيادة موحدة ومسيطرة وتحترم الاعراف والقوانين الدولية، بقدر ما هي كيان يجمع أخلاطا متعارضة ومتناقضة في التوجهات والرؤى والتطلعات.
أما النظرة الأبعد فهي الأهم وهي تلك النظرة التي تتوغل خلف المبررات والملابسات التي أدت إلى هذا الحادث الصبياني غير المألوف من جانب شخص بدرجة نائب وزير خارجية.
حيث تزداد مساحة الدهشة من هذا السلوك في حق الوزير التركي وبالتالي في حق دولته التي يمثلها حين نعلم أن وزير الحرب الاسرائيلي إيهود باراك من المقرر أن يزور تركيا يوم الأحد المقبل وهي زيارة مقررة ومجدولة سلفاً وبالقطع تعلم بها دوائر وزارة الخارجية الاسرائيلية، إذا ما هو هدف (مجموعة) الخارجية من اختيار توقيت وأسلوب تنفيذ هذه المهزلة اللا دبلوماسية؟
هل هو دفع تركيا إلى إلغاء زيارة باراك أم دفع باراك لموقف قد يتعرض فيه لإهانة مماثلة لما تعرض له السفير التركي في تل أبيب؟
أم نذهب أبعد من ذلك للقول إن الخارجية الاسرائيلية تخطط لقطع العلاقات كليا مع تركيا؟
أغلب الظن أن الأتراك سيستقبلون باراك استقبالاً يليق بهم كدولة كبيرة ومستقرة ومتوازنة وتحترم نفسها عملا بالمثل القائل:
كل إناء بما به ينضح، الا ان الحادثة كاشفة بقوة لاهتراء العلاقة بين أجنحة الحكومة الاسرائيلية وتشظي الرؤية المستقبلية لطبيعة الأداء السياسي الاسرائيلي في الداخل والخارج، وهو الأمر الذي يستدعي الحذر من التسليم بأن في اسرائيل نظاماً سياسياً واضح المعالم يمكن التعامل معه كوحدة واحدة ذات هدف واضح المعالم وأدوات إدارة دولة مستقرة.
حيث نجد رئيس وزراء يعلن موقفا ويخالفه فيه وزراؤه، أو المقربون منه, كان الأمر كذلك خلال حكم (كاديما) وها هو الآن خلال حكم (ائتلاف الليكود) ومن ثم فإن على الجهات التي تطالب الفلسطينيين بموقف موحد من التفاوض أن يعترفوا أن الوضع في الداخل الاسرائيلي أسوأ مما يتصورون وحين يقرر مسؤول أن يتفاوض فقد يكون مصيره الإهانة والإدانة وحتى القتل كما في حالة إسحق رابين.
تلك هي اسرائيل الحقيقية لمن لم يفهمها بعد.
