هي الرمضاء إذا، نار فوقها نار.. وأنت أيها السهم النبيل مازالت ثابتاً في سيرك كما كنت دوماً في مسيرك، سقط القناع عن أفواج تلبست زوراً خوذة الفرسان، ومع أول شظية بلاء انتكست على أعقابها، وظهرت بجلاء طيبات المعادن من تلك التي هي عهن منفوش ذرته الريح في يوم عاصف.

لم يتبق منها أيها القابض على جمر الثبات إلا حكايات المنهزمين في أول شدة قرعت القلوب الفارغة إلا من هوى متمكن كمرض عضال طال أمده فخاوى اللحم والعظم واستوطن الروح.

أين تمضي أيها السهم العربي والليل الدامس يغطي المساحات بعد مسلسل من الكروب والنهايات المستسلمة، فلا حول ولا طول ولا قوة تقف في وجه ريح السموم القادمة من فوهة بركان تنفس على حين غرة على بني قومك، واذهب ما تبقى من بعض رشدهم فبات القوم حيارى ينظرون إلى وجوه بعضهم باحثين عن مخرج من المغارة التي أغلقوا بابها بمحض إرادتهم طلباً للدفء ونسوا انه الوهم وانه الحريق.

ها هو أزيز البركان يلفحهم بشدته عن يمين وشمال غير عابئ بنفخهم ودفعهم الأهون من خيوط العنكبوت لو كانوا يعلمون، وماذا عساهم أن يفعلوا وقد تخلوا بمحض إرادتهم عن كل الرايات ذات المعاني المعتقة بطيب العزة والمنعة والنابضة بروح البنيان المرصوص بأصله المتجذر في عمق المكان، وظله الذي يكاد أن يعانق عنان السماء عزة قبل أن يكون ثباتاً لا تهزه العاتيات من ويلات الزمان وتكالب الأمم.

دعني أيها الشهم المقدام من حديث المهزومين، فقبل أن يدخلوا المعركة أعلنوا الاستسلام حفاظاً على ما ظنوه قوة حيلة ودهاء يعربيا وما هو إلا خيال صنعته أيديهم وصدقته عقولهم فمضوا في غيهم سادرين.

دعني أيها السهم الهمام أقدم لك حفنة ماء جمعتها قطرات من المقل التي دمعت شوقاً إلى قدومك الآسر بعد طول انتظار على تخوم التمني والدعاء بقرب لقاء مع القادم من خط التماس، حيث التاريخ والوعد والوعيد والترتيل والأذان وأرض الميعاد.

قبل أن ترحل أيها الصادق خذ قطرة الماء من أكف لم تسحب أصابعها عن زناد الصبر فلا مساء عابر عندها يعطي الكدح فسحة من ساعة لالتقاط شاردات الأنفاس الباردة، فلا مساحة للدعة إلا بلغة استراحة المحاربين ساعة من نهار.

تواصل السير أيها الفارس السهم المقاوم مع قلة زاد وطول طريق ووحشة رفيق، فاقبل منا قطرة الماء الأخيرة عونا لك على غبراء الارتحال المتواصل، وهي أغلى ما نملك في هذا الدهر القحط العطش.

al_khabar@hotmail.com