من المشاهد التي تثير الغضب في نفوس كثيرين، تلك التي تنقلها إلينا أحيانا التقارير الإخبارية المصوّرة، والتي تبيّن سفراء الولايات المتحدة الأميركية أثناء زياراتهم الروتينية إلى مسؤولي الدول العربية المعتمدين فيها، وهم يضحكون مبتهجين، يتبادلون القبل والأذرع الممدودة بكل شغف، في وقت تتخذ فيه إدارتهم أبشع الإجراءات الأمنية في حق مواطني تلك الدول.

وللتوضيح بداية أقول بأنني لستُ من هؤلاء الذين ينتقدون الولايات المتحدة لأي سبب، كما أنني أشعر باحترام وتقدير كبيرين للشعب الأميركي لما قدّمه للبشرية من إنجازات في أكثر من مجال، لا سيما في مجالات العلوم والتكنولوجيا وغيرها، وكذلك لأنه احتضن ملايين العرب ممّن ضاقت بهم الحرية «الممنوحة» لهم في أوطانهم الأصلية.

في الواقع، أن ما يثير هذا الغضب ليس السفراء المعنيين الذين يمارسون أدوارهم الدبلوماسية بكل إتقان وثقة متناهية بالنفس، بل أسلوب التعاطي الرسمي العربي مع الإجراءات الأخيرة التي أعلنت عنها الإدارة الأميركية، بعد حادث اعتقال المواطن النيجيري فاروق عبد المطلب، ناهيك عن أسلوبها في مواجهة كثير من الإجراءات المماثلة في السابق.

وقد بدا ممّا يتوارد إلينا من معلومات، أن السلطات المعنية تعاملت مع الأمر بنفس الرتابة المملّة التي تتبنّاها أثناء تعاطيها مع كثير من القضايا الجدّية، خصوصا ما يرتبط منها بكرامة مواطنيها وسمعة الكيان الذي من المفترض أن تمثله وتدافع عنه.

فكيف يمكن أن نفسر عدم لجوء المعنيين لاتخاذ خطوات من شأنها أن تحفظ على الأقل ماء وجه البلد الذي يمثلون، وهذا أمر يمثل الحد الأدنى المتعارف عليه في العمل الدبلوماسي؟

وكيف يمكن أن نقتنع بأنهم حريصون على مصالح مواطنيهم، في وقت يتعرض فيه هؤلاء لأبشع أنواع القمع النفسي والإذلال المعنوي، بمجرد أن يتم إدراجهم على لوائح مشبوهة تصنّف الشعوب (ولا أقول الأشخاص)، وفق من هو إرهابي أو داعم له، أو من هو مصدّر للخطر والقلق، كما صُنّف بعض الشعوب العربية وغيرها!

وإذا استثنينا إجراءات التفتيش الجديدة التي يحاولون فرضها في الوقت الحاضر، والتي ستكشف تماما عورات الأشخاص والأنظمة معا، فإن ما سيتعرض له المواطن العربي المقيم في المهجر أو القادم إليه سيكون أضخم بكثير مما يتوقع البعض، لا سيما على صعيد اغتصاب حريته الشخصية وحرية عائلته بشكل يومي.

لم يعد هناك أي مجال لما يسمّى باحترام حقوق الإنسان، فالعالم الحر رضخ أخيرا لمبررات كثيرة كان يطرحها كثيرون، ومختصرها أن عملية مكافحة الإرهاب يجب أن تنطلق أيضا من تعرية كل مواطن عربي، مسلما كان أم مسيحيا. فحامل جواز السفر اللبناني مشتبه فيه حتى يثبت العكس، وكذلك حاملو جوازات السفر السورية والفلسطينية والعراقية والسعودية وغيرهم، مسلمين كانوا أم مسيحيين.

مقابل ذلك، لا يظنّن أحد من شعوب الدول العربية الأخرى أنه سيكون بمنأى عن طقوس الشبهة والمراقبة أثناء تحركه في الخارج، وخصوصا تلك الشعوب التي تمكّنت سلطاتها، لسبب أو لآخر، من إقناع الإدارة الأميركية بعدم إدراج أسمائها على لوائح الشبهة.

فأيادي وعيون المفتّشين الأميركيين والأوروبيين ستمر على عوراتكم شئتم أم أبيتم، خصوصا وأن أساليب الإرهابيين قد باتت على نسبة كبيرة من الحنكة، لدرجة أنهم باتوا قادرين على تسريب المتفجرات داخل ملابسهم الداخلية! ولن تحميكم اتفاقيات السلام مع إسرائيل، ولا المواقف المعتدلة والليّنة.

ماذا يسعنا أن نقول في خضم هذه المهزلة الإنسانية المأساوية؟!

يبدو أن المطلوب بالدرجة الأولى هو حث حكوماتنا على ممارسة بعض المبادئ الدبلوماسية المتعارف عليها في كافة أنحاء العالم، وأبرزها تطبيق مبدأ التعامل بالمثل في كافة مطاراتنا ومعابرنا الحدودية.

وهذا أبسط الإيمان في مواجهة كل الذل الذي يتعرض له المواطنون العرب. أما إذا كان البعض خائفا من انحسار أعداد السياح القادمين من تلك الدول، ويريد أن يستخدم ذلك كحجة لعدم القيام بأي شيء، فليتجرأ عندئذ ويُخضع دبلوماسييها لإجراءات التفتيش، أسوة بما يتعرض له بعض دبلوماسيينا في بعض مطارات العالم.

أما المطلوب ثانية، فهو أن تستجمع الأنظمة والشعوب العربية قواها وتخرج بصيغة واضحة لإدانة الإرهاب بكافة أشكاله. نعم، إن إدانة الإرهاب الجبان الذي يحاول المس بمدنيين عزّل لا حول لهم ولا قوة، هو أمر مطلوب بقوة في الوقت الحاضر.

وما جرى في تلك الطائرة مؤخرا ليس سوى شكل من أشكال الجُبن، الذي كان يهدف لقتل مسافرين عاديين من بينهم مواطنون عرب. فأين البطولة في ذلك؟ وأين البطولة في استهداف الناس في حياتهم اليومية ومصادر رزقهم، إن كان في العراق أم أفغانستان أم في أوروبا؟

لا منطق على الإطلاق لأن يسعى أي طرف لمقارنة ما يحدث في فلسطين بمبررات الإرهاب ضد المدنيين في العالم. فإذا كان هذا الطرف مؤمن بأن إسرائيل هي دولة إرهابية، يجب أن يسعى لمجابهة جيشها في عقر داره، بكل جرأة وشجاعة.

ومن يظن أن الولايات المتحدة هي «رأس الأفعى» الممتدة على طول منطقتنا من خلال مشاريعها المشبوهة، لديه فرصة لمجابهة جيشها في ساحة القتال حيث هو منتشر.

بإلحاح شديد، إن المطلوب هو تنسيق الجهد العربي لخلق صيغة منطقية وفعالة لمواجهة حملات التشويه بكافة أوجهها وفصولها، ولدينا مبرر قوي لذلك. فضحايا الإرهاب الذين يقتلون يوميا هم عرب بالدرجة الأساسية، قبل أن يكونوا أوروبيين أو أميركيين أو غير ذلك..

والأهم من ذلك كلّه، فإن المطلوب هو تعزيز كرامة المواطن العربي، من خلال حمايته بشتى الطرق المتاحة. فإذا تعذّر ذلك ميدانيا من خلال تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل، فعلى الأقل برفض الإجراءات المفروضة عليه، مثلما فعلت نيجيريا وغيرها من الدول.. غير العربية.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz