أزال حصار قطاع غزة البربري الهمجي الظالم من قبل الكيان الصهيوني، الأقنعة عن وجوه ورؤوس وهامات، ونزع هيبة الكثير من الشخصيات السياسية والفكرية والعقائدية.
بعد كشف عورات هؤلاء تهاووا مثل التماثيل في لعبة أحجار الدومينو المكوّنة من المومياوات الناطقة. من هذه الشخصيات من تخلّى حتى عن المبادئ والثوابت والقيم، طمعاً في الاحتفاظ بكرسي في الحكم أو ميدان العمل الوظيفي الأمني أو السياسي، الحزبي أو الرمزي الديني الرسمي.
كثيرة هي الشخصيات التي كان يُنظر إليها أو يُفترض أنها تعمل كحارس أمين على الثوابت والأصول والقواعد الأساسية، وبانت على حقيقتها من الهشاشة المقيتة بمكان.
في المقابل، نفسياً ومعنوياً وشعبياً عارماً، قوّى الحصار من عضد المقاومة وقياداتها والداعمين لها والمتعاطفين معها. وستظل «لعنة غزة» تطارد الانتهازيين، في قيامهم وقعودهم ومنامهم وحلهم وترحالهم.
قبل عام من الآن في قطاع غزة، المحاصَر بإحكام إسرائيلياً وأميركياً، رفع المقاومون رأس الأمة عالياً بصمود أسطوري عز نظيره في التاريخ البشري. تم ذلك الانتصار أمام آلة حربية بربرية همجية غاشمة، تميزت بالاستخدام المفرط للقنابل الفسفورية الحارقة كعتاد رئيسي للحرب، وعلى الهواء مباشرةً.
انتصار كان من الواجب أن يكافَأ عليه أهل قطاع غزة بالذات، لا أن يُحاصَروا حصار الحيوانات الموبوءة الخطرة على البيئة والحياة، حتى بعد انتهاء تلك الحرب الإجرامية عليهم.
هنالك أنواع من الحصار يواجهها سكان القطاع الفلسطيني، والذي يمثل الجزء الثاني في الوطن الفلسطيني المستقل المأمول. بالدرجة الأولى والرئيسية، هنالك الحصار الإسرائيلي الذي يأتي على كل شيء تقريباً.
ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه بالحرب، تريد ابتزازه من خلال حصار تلمودي توراتي عنصري إرهابي، يتعارض بشكل صارخ مع أبسط أسس حقوق الإنسان. ثانياً، يعاني أهل القطاع حصار أشقاء ورفاق الدرب والمصير المشترك في السلطة الفلسطينية.
يجري ذلك تارة بحجة مقارعة التمرد والانقلاب على الشرعية الفلسطينية، وتارة أخرى بحجة مسايرة الحملة الغربية بقيادة الإدارة الأميركية في مكافحة «الإرهاب».
ثالثاً، هنالك حصار الأشقاء في العرق والدين والجوار الجغرافي والمصير المشترك. باتت غزة الآن محاصرة بسياج كثيف من الأسلاك الشائكة المكهربة والجدران العالية، إضافة إلى «جدران من الكتل البشرية» المعبأة إعلامياً وبشكل متصاعد، ضد القضية الفلسطينية وأهلها.
لن يَهزم الحصار المحكَم أهل غزة خصوصاً ولا الفلسطينيين عموماً. كلمة هزيمة غير موجودة في قاموس حركات المقاومة الشعبية، حتى لو استُخدمت ضد تلك الحركات كافة أنواع الأسلحة وكافة أشكال الحصار الخانق. ما تعرّض شعب لحصار إلا وأخيراً انتصر؛ الأمثلة على فشل الحصار على الشعوب كثيرة وواضحة.
حصار المدن الروسية من الاحتلال النازي، حصار شعب فيتنام من الاحتلال الأميركي، حصار جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، حصار شعب العراق من الاحتلال الأنجلو ـ أميركي الدولي.
الآن تبدو غزة كسجن كبير مغلق بإحكام، يضم حوالي مليون ونصف المليون من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ والمرضى والمعاقين. في الوقت ذاته هنالك سجن أكبر بكثير، يضم عشرات ومئات الملايين من الكتل البشرية. هذه الأخيرة يحاصرها الذل والعار، وتتعاظم لديها عقدة التقصير تجاه شعب أعزل مستفرَد به منذ أمد بعيد.
تتواجد هذه الكتل البشرية في أنحاء متفرقة من العالم، والتي آثرت قياداتها على أنفسها سلوك دروب الخنوع والانصياع، مقابل دعم سياسي ومعنوي ومادي بخس.
ما يحدث لقطاع غزة ولسكان القطاع يندى له جبين الإنسان، الصديق للمحاصَرين والمعادي لهم والذي على الحياد. فحتى خلال اشتداد وطيس الحروب، لا تمانع الجيوش المتحاربة من مرور المساعدات الإنسانية والإسعافية عبر خطوط المواجهة بين الجيوش.
وأقرب الأمثلة على ذلك هو الحصار الذي تعرّض له الجيش الثالث المصري على الضفة الشرقية لقناة السويس في حرب أكتوبر عام 1973، فقد كانت قوافل الإمدادات «الإنسانية الغذائية والطبية» المخصصة للجنود والضباط المصريين المحاصَرين، تمر عبر حواجز ونقاط تفتيش جيش العدو الإسرائيلي على الضفة الغربية لقناة السويس.
الحصار ليس مقصوراً على الشعب الفلسطيني، بل هو دوّار يأتي على كافة الشعوب العربية والإسلامية الأخرى. وما لم تقم الدول والشعوب العربية والإسلامية بجهود كافية لرفع هذا الحصار الظالم البشع، الذي يتعرض له أطفال ونساء وشيوخ قطاع غزة وكل سكانه.. فماذا ستفعل هذه الدول وشعوبها عندما يأتي دورها في مواجهة حصار مباشر؟!
قسم العلوم السياسية ـ جامعة الإمارات