احتفل السودانيون بمرور خمسة أعوام على توقيع اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا في 9 يناير2005، بالطريقة التي تليق بإنجازات متواضعة وعلاقة مشاكسة.
فقد تبادل الشريكان التهم واللوم، بينما عبر المجتمع الدولي الضامن للاتفاقية، ممثلا في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا والنرويج، عن قلقه وأمله في الإسراع في عملية السلام خلال الفترة القليلة المتبقية.
ولم يمارس عامة الناس أي مظاهر للفرح والابتهاج، ومرت المناسبة دون أن تحرك أي ردود فعل إيجابية، فقد عمت الحيرة والشكوك والخوف من مستقبل مجهول. ومن الواضح أن معركة من يتحمل مسؤولية الانفصال قد بدأت، وهذه مرحلة جديدة تنازل فيها الجميع عن الوحدة الجاذبة.
ومن الواضح أن الحديث عن الوحدة الجاذبة قد انتهت صلاحيته سريعا في الواقع السياسي. وقد بدأ الحديث عن نوع الانفصال المطلوب. وفي مساجلة إذاعية خلال هذا الأسبوع، قال القيادي في حزب المؤتمر الوطني، الدرديري محمد أحمد «.. المواطن الجنوبي سيصوت في تقرير المصير 2011 للانفصال، حتى وإن اتفق الشريكان.
الفرصة أمام الشريكين لا تسمح بالوحدة الطوعية وإنما الانفصال». ودعا إلى انفصال سلس وسلمي يجنب البلاد العودة لمربع الحرب. ومن جانبه رفض ياسر عرمان، القيادي في الحركة الشعبية لتحرير السودان، هذا التوجه الجديد الواضح للمؤتمر الوطني، المؤيد للانفصال، وأكد تمسك الحركة بخيار الوحدة.
وقد دعا عرمان للتوافق على برنامج 300 يوم يشارك فيه جميع السودانيين، لحل أزمة دارفور والانتخابات والاستفتاء. وسخر ممثل حزب المؤتمر الوطني من إمكانية تعديل المسار نحو الوحدة خلال 300 يوم. وله الحق في السخرية، فهل يمكن لمن أضاعوا خمسة أعوام أن ينجزوا شيئاً خلال أيام معدودة!
ومما يؤكد أن الانفصال قد أصبح الخيار الوحيد، الجدل الساخن حول من يتحمل المسؤولية، إذ توجه التهمة للمؤتمر الوطني، من الكثيرين، بأنه يتعمد البطء والمناورة وإضاعة الوقت بقصد التهرب من الالتزام بتنفيذ بنود الاتفاقية. وهذا اتهام حقيقي، إذ كيف يمكن تفسير مصادقة المجلس الوطني علي كل القوانين في الأسبوعين الأخيرين من عمر المجلس وبعد ضغوط قوية؟
وتتهم الحركة الشعبية بعجزها عن تحقيق أي إنجاز في الجنوب وفشلها التام في تحسين أوضاع المواطنين الجنوبيين، رغم أنها تحكم كل الجنوب وتشارك في حكم السودان كله. والحركة تقر ضمنيا بهذا العجز.
ولكنها ترجع الأسباب إلى ممارسات المؤتمر الوطني في الجنوب، حيث يقوم بتسليح القبائل التي يعتبرها مناوئة للحركة، كما يعمل على إحداث انشقاقات في الحركة ويعطل وزراءها المشاركين في الحكومة عن أداء واجباتهم بلا معوقات.
ولا يمكن تبرئة الشريكين، بغض النظر عن المبررات، من مسؤولية الوصول بالبلاد إلى حافة الانفصال والفوضى. ومن الواضح تهرب الطرفين من تحمل المسؤولية التاريخية والأخلاقية في حدوث الانفصال.
فالمؤتمر الوطني، أو الحركة الإسلامية السودانية سابقا، يخشى من أن يقول التاريخ إن تقسيم وتفتيت السودان، قد تم أثناء حكم الإسلامويين، رغم أنهم عملوا خلال عشرين عاما ـ عن قصد أو دون قصد ـ على تحقيق هذا الهدف، أي الانفصال.
فقد تحول الصراع السياسي بين الشمال والجنوب إلى آخر ديني، حين أعلنت «الإنقاذ» منذ بداية التسعينات من القرن الماضي، الجهاد في الجنوب ووعدت الشباب بمقاعد في الجنة وبزوجات من بنات الحور.
ثم كان إصرار الإنقاذ على تطبيق شريعة إسلامية في بلد متعدد الأديان والثقافات، بالإضافة إلى معاملة الجنوبيين كمواطنين من الدرجة الثانية، خاصة مع إحياء للقبلية وبالتالي دعم الاستعلاء الإثني، شعوريا ولا شعوريا.
وتتحمل الحركة الشعبية المسؤولية بدرجة أقل، وذلك لأنها فشلت في التحول إلى حركة مدنية قومية حقيقية، ليس على صعيد الشعارات فقط، كما أخفقت في تحقيق التنمية والتصدي لتفشي الفساد في الجنوب.
ورغم أننا لا نريد أن نبكي علي اللبن المسكوب، إلا أننا نطرح سؤالا مهما: هل كان هذا هو السبيل الوحيد لحل مشكلة الجنوب، أي عن طريق اتفاقية نيفاشا بصورتها الحالية؟
جاءت الاتفاقية كنتيجة لصراع الضعفاء، فقد وصل الطرفان؛ الحكومة والحركة الشعبية، إلى أقصى درجات الإنهاك في الحرب الأهلية، ولم يعد أي طرف قادرا على تحقيق نصر أو حتى تقدم في مواقعه التي يحتلها.
لذلك كانت نيفاشا في حقيقتها هي اتفاقية لوقف إطلاق النار، وليس للسلام شاملا أو غير شامل. ورغم أن بنودها امتدت لقضايا أبعد من وقف الحرب، إلا أن الوسائل لم يكن من الممكن أن تحقق ما كتبته الاتفاقية.
فقد كانت الاتفاقية مكافأة للمقاتلين وحملة السلاح، وبالتالي أبعدت بقية المعارضة، ناسية أنهم سوف يكتسبون أهميتهم عندما يتوقف صوت السلاح، خاصة إذا كان من المستحيل عودة الشريكين إلى الحرب. وكان من المتوقع ألا يتمسك أو يتحمس الشريكان للبنود الخاصة بالتحول الديمقراطي في الاتفاقية.
نعم، كانت الحركة تذكر باستحياء هذه البنود، ولكن لا تذهب إلى نهاية الطريق في الدفاع. ويؤكد الوضع الراهن هذا الموقف، حيث انشغلت الحركة بقوانين الاستفتاءات والمشاورات، ولم تعد لقانون الأمن الوطني أولوية.
وقد يتحسن موقف الحركة الآن، بعد أن طالبت هيلاري كلينتون بإزالة القوانين المقيدة لحرية التعبير والتجمع والاحتجاجات السلمية. وهذا يعني أنه قد آن الأوان لكي تخرج نيفاشا عن ثنائيتها وعن الظروف التي أنتجتها، وأن تأخذ شكلا قوميا. ولكن الثور المقدس الذي يسمى «تقسيم النسب»، يقف عقبة ويظل فيتو ضد أي تغيير قومي.
ومن البدهي القول ان اتفاقية نيفاشا هي وسيلة لتحقيق السلام والوحدة والديمقراطية، وليست غاية في حد ذاتها، وليس هناك من يقول بإلغائها، ولكن تعديلها وتوسيعها وفتحها ممكن ومطاوب. وهنا نعود إلى دعوة التوافق على برنامج 300 يوم، الذي يشارك فيه جميع السودانيين ـ حسب عرمان ـ فهذا يعني بالضرورة توسيع وتعديل نيفاشا خلال الفترة المقبلة.
وفي هذه الحالة لا تكفي المشاركة وفق وصفة تجمع أحزاب جوبا، ولا بد من صيغة أخرى أكثر فعالية واستمرارية، وذات طابع استراتيجي بقدر تحديات المرحلة المقبلة.
السودانيون الآن في صراع مع الزمن، وهم مطالبون في فترة ضيقة وفي آخر الدقائق، أن يعملوا بجدية لتحويل اتفاقية نيفاشا من حالة اللاحرب واللاسلم إلى اتفاقية شاملة حقيقة، وشمولها يعني على الصعيد الأول: قوميتها ومشاركة كل السودانيين مشاركة فعلية وفعالة.
كاتب سوداني
