منذ إلقاء أول قنبلتين نوويتين على مدينتي هيروشيما ونغازاكي في شهر أغسطس 1945، واستسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية بعد تدمير المدن اليابانية وسقوط ملايين القتلى، تخضع اليابان للاحتلال الأميركي، وإن كانت الولايات المتحدة أبقت على رمز سلطة الدولة اليابانية وكرامتها، وهو الإمبراطور.

وظلت اليابان تلقب ب«حاملة الطائرات الأميركية» في المحيط الهادئ، وبقيت الولايات المتحدة الأميركية في نظر اليابانيين قوة كبرى تملك السيادة «الإمبريالية».

ولا سيما لجهة خضوع اليابان لل«باكس أميركانا» وتحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، ووقوعها تحت حماية المظلة النووية الأميركية، رغم جنوح اليابان على الصعيدين السياسي والأخلاقي نحو السلام، ومناهضة سباق التسلح النووي الذي ساد إبان الحرب الباردة.

بيد أن الفوز الكبير الذي حققه الحزب الديمقراطي في انتخابات أغسطس 2009، وإنهاء حكم الليبراليين الديمقراطيين الذي دام نصف قرن، جعل مسؤولي الحزب الديمقراطي يطرحون مسألة تحقيق أكبر قدر من التوازن في علاقة بلادهم بالولايات المتحدة.

فطرح رئيس الحكومة اليابانية هاتوياما، وكذلك وزير الخارجية الياباني أوكادا، تعطيل العمل باتفاقية نشر القاعدة الأميركية في جزيرة أوكيناوا التي تم إبرامها في عهد إدارة الرئيس السابق جورج بوش سنة 2006، الأمر الذي أثار غضب الأميركيين، الذين باتوا يتساءلون حول حقيقة التحالف الياباني ـ الأميركي.

وكان التحالف الحكومي الياباني الجديد الذي استلم السلطة في سبتمبر 2009، استغل أفول الهيمنة الأميركية في شرق آسيا، ليطرح إعادة توازن العلاقات مع واشنطن، مع المحافظة على إطار التحالف الأميركي ـ الياباني.

علماً بأن اليابان التي باتت تنظر بقلق لتطور برامج الأسلحة النووية الكورية الشمالية، وتنامي القوة الصينية على الصعيدين الاقتصادي والعسكري لكي تحل الصين محل الولايات المتحدة، باعتبارها الشريك الاقتصادي الأول لحليفيها الآسيويين؛ كوريا الجنوبية واليابان.

وأصبحت الصين دائنها الأساسي بمبلغ 800 مليار دولار كسند على الخزينة الأميركية، تؤكد أنها لا تستطيع مواجهة التحديات الأمنية والعسكرية في هذه المنطقة من العالم، وهذا ما يجعلها بحاجة دائمة للتحالف مع واشنطن.

غير أن القضية المتعلقة بالأسلحة النووية الأميركية التي تمت إثارتها في اليابان في نهاية ديسمير 2009، من قبل ابن رئيس الوزراء الياباني الراحل إيساكو ساتو، تتعلق بالاتفاقية التي أبرمها هذا الأخير مع الرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون في 21 نوفمبر عام 1969.

حيث يوجد ملحق إضافي سري بين واشنطن وطوكيو، ينص على السماح بنشر الأسلحة النووية الأميركية على الأراضي اليابانية. وهذا الملحق موجود في الأوراق الخاصة لإيساكو ساتو (صحيفة «لوموند» الفرنسية تاريخ 5/1/2009).

ويعد هذا الاتفاق خرقاً كبيراً للمبادئ اليابانية الثلاثة التي تدافع عنها طوكيو منذ عقود مضت، وهي: «لا لصنع الأسلحة النووية، ولا لامتلاكها، ولا للسماح بدخولها إلى الأراضي اليابانية».

وكان هذا الاتفاق العظيم في أساس نيل صاحبه إيساكو ساتو (1901-1975) جائزة نوبل للسلام علم 1974، فضلاً عن أنه أصبح بمنزلة الدستور الأخلاقي والمبدأ الاستراتيجي العام الذي يحكم الدبلوماسية اليابانية.

هناك اتفاق أمني يربط اليابان والولايات المتحدة وُقع سنة 1951، ويسمح للقوات الأميركية باستخدام قواعدها العسكرية المنتشرة على الأراضي اليابانية بما، في ذلك تخزين الأسلحة النووية. ومع استعادة اليابان سيادتها في عام 1960، تمت مراجعة ذلك الاتفاق، من دون الإشارة إلى الأسلحة النووية.

فمقابل استعادة اليابان لأرخبيل أوكيناوا الخاضع للاحتلال الأميركي منذ هزيمة 1945، وفي ظل اشتعال الحرب الأميركية ضد فيتنام حيث كانت اليابان تمثل القاعدة الخلفية لتلك الحرب، سمح إيساكو ساتو على عجل للقوات الأميركية بإدخال الأسلحة النووية الأميركية إلى اليابان في حال انفجار أزمة إقليمية، بعد المشاورات المسبقة.

ولما كانت اليابان ضحية السلاح النووي، وتمثل إلى حد ما «الضمير العالمي» في ما يتعلق بالأسلحة النووية، فقد طالب وزير الخارجية الياباني كاتسويا أوكادا بتشكيل لجنة تحقيق حول الاتفاق النووي السري هذا، وطرح الموضوع أمام البرلمان الياباني في أواسط يناير الجاري، لتوضيح ملابسات هذه القضية.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org