سياسة التهدئة التي اتبعتها موسكو مؤخرا مع جورجيا، وموافقة الرئيس ميدفيديف على استئناف رحلات الطيران بين موسكو وتبليسي، تعكس في الأساس حرصا من الجارة الكبيرة روسيا على مصالح الشعوب المجاورة لها، بغض النظر عن سياسات الأنظمة الحاكمة هناك.
ولكن هذه التهدئة في نفس الوقت لا تعني أن الأمور بين البلدين أصبحت هادئة ومستقرة، بل على العكس ما زالت الأمور متوترة بالدرجة التي يتوقع معها الروس اندلاع حرب جديدة في القوقاز، في هذا العام 2010.
منطقة القوقاز تعتبر من أخطر المناطق المعرضة للانفجار والاشتعال دائما، ويرشحها الكثير من الخبراء والمراقبين لتكون ساحة لحروب كبيرة تنجر لها قوى عسكرية كبرى، وقد شهدت هذه المنطقة حربا في أغسطس 2008 ما زالت تداعياتها قائمة حتى الآن، بعد هجوم جورجيا على جمهورية أوسيتيا الجنوبية الصغيرة (التي كانت تطالب بالانفصال، قبل أن تعلن استقلالها الذي اعترفت به روسيا)، وجرت لها القوة العسكرية الروسية الكبيرة التي دخلت أراضي جورجيا لطرد القوات الجورجية من أبخازيا.
وقد عادت جورجيا للتحرش بكل من أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في العام 2009، ولم يكن للرئيس الجورجي ساكاشفيلي أن يجرؤ على هذه التحرشات لولا وجود دعم وتأييد له من واشنطن، وقد زار نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن جورجيا وأوكرانيا في يوليو 2009، وأطلق هناك تصريحات منافية تماما لتصريحات رئيسه أوباما تجاه روسيا.
وما زالت أوكرانيا تحت حكم نظام الرئيس يوشينكو تلح في مطلباتها لواشنطن بدعمها للحصول على عضوية حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، وتنتهج سياسة معادية لروسيا، في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد الأوكراني من أزمات حادة، ويحتاج بشدة لمساعدات الجارة الكبيرة روسيا.
أما جورجيا فقد كانت طلباتها واضحة وصريحة وفي نفس الوقت جريئة ومستفزة، فقد طلب الرئيس ساكاشفيلي من نائب الرئيس الأميركي بايدن، أن تقوم واشنطن بتزويد جورجيا بالسلاح حتى تستطيع الدفاع عن أراضيها ضد التهديدات التي تواجهها، وبالطبع يقصد ساكاشفيلي روسيا.
هذا في الوقت الذي يعاني فيه الشعب الجورجي بشدة من الأزمة الاقتصادية، ويواجه ظروفا أصعب مما يواجهه غيره من البلدان الأخرى، لكن الرئيس الجورجي لا يطلب مساعدات اقتصادية، بل يطلب السلاح لخوض حرب جديدة ضد الجارة الكبيرة روسيا، التي يعتمد عليها الاقتصاد الجورجي اعتمادا كبيرا ويعمل على أراضيها أكثر من مليون من مواطني جورجيا، يرسلون كل عام لوطنهم وأهاليهم في جورجيا أكثر من ملياري دولار، بطرق قانونية وغير قانونية.
المراقبون الروس كانوا يتوقعون اندلاع حرب جديدة في القوقاز في العام المنصرم 2009، في ظل تأزم الأوضاع داخل جورجيا وضيق الحصار على الرئيس ساكاشفيلي، ومع زيادة الدعم العسكري لجورجيا، ومع رفض أبخازيا لتواجد القوات الأميركية ضمن بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة منطقتي النزاع.
بل وأصبح من الصعب بحث ملف انضمام جورجيا لحلف الناتو، وفق أنظمة ولوائح الحلف، حيث يرفض حلف شمال الأطلسي منح عضويته لدول تشهد اضطرابات داخلية أو تتواجد على أراضيها قوات أجنبية.
ولم يعد أمام نظام الرئيس ساكاشفيلي مخرج من المأزق الذي يهدد بقاءه في الحكم، سوى إشعال حرب جديدة في القوقاز، لم يمنعه عنها سوى انشغال واشنطن في أفغانستان وحاجة الناتو للدعم الروسي هناك.
ويسعى ساكاشفيلي لأن تكون الحرب القادمة أقوى وأطول زمنا من حرب العام 2008، ويتوقع أن يستعين بدعم أجنبي كبير قد توفره له واشنطن بشكل مباشر أو غير مباشر.
وفي حين لا تريد روسيا التدخل في شؤون الدول المجاورة بشكل مباشر، وتترك الأمر لشعوب هذه الدول لتقرر مصالحها بنفسها، فإن موسكو تعول كثيرا على الانتخابات الرئاسية القادمة في أوكرانيا، وأيضا على الانتخابات المحتملة في جورجيا، ونتائج هذه الانتخابات سوف تحسم الكثير وسوف تحدد بشكل كبير مسار الأحداث في منطقة القوقاز.
كاتب أوكراني