الدوران إلى الخلف صار لازمة عربية، لا إنتاجاً ثقافياً يحاكي الرموز التي بدأت في الثلاثينيات والأربعينيات وانتهت بالسبعينيات، ويماثلهم بالصفة والواقع النشاطات الفنية من نحت ورسم وغناء، حتى إن اليأس أطبق على الأجيال الناشئة التي ترى القيود أكثر من الانفتاح بالحرمان من المطالب الحقوقية العادية في الوظيفة والاستشفاء والحرية والأسرة المستقرة، وقد أفرز هذا الوضع واقعاً انتقل إلى أعمدة صانعي القرار السياسي مما أحدث فجوة هائلة بين الشارع والدولة فكان التلاقي السلبي بين قمع الحكومة للشعب، وضعف التأييد لها من قبل المواطن.
وهذا ما حدث لبلدان عربية بدأت دورة خطيرة في التجزئة والتقطيع، سواء بسبب خارجي مؤسَّس على ضعف تلك الدول ، أو نشوء أزمات داخلية صعدت مواقفها في بناء هياكل دول على حساب الوحدة الوطنية..
فالعصر الذي تجاوز الطائفية والمناطقية والقومية أخرج لنا من رحمه دورة أخرى في ولاءات لنشوء دول تُستقطع من الأم المركزية، فعلى الدرب سودانٌ بدولتين شمالية وجنوبية الأولى عربية إسلامية، والأخرى علمانية مسيحية ووثنية، وقد تزحف المطالب لانفصال دارفور وأخرى تتبعها، ومع أن الاستفتاء القادم سيفرض الانفصال، إلا أن العواقب كبيرة، حتى لو جاء الفعل بالتراضي بين طرفيْ العلاقة من خلال قناعات حكومية وشعبية..
أمر السودان قد يفتح الباب لتجزئة العراق إلى ثلاثة أقاليم، وهي جاهزة على خارطة الواقع ، والتشجيع لا يأتي فقط من صعود عناصر داخلية تدفعها قوى خارجية لتهيئة الأجواء والمناخات لهذا الأمر، ولكنه صيغة مقبولة عند جهات دولية، لأن العراق اعتُبر بإمكاناته رأس القاطرة في المنطقة التي تستطيع أن تقود العرب للخروج من نطاق العجز عن محاكاة العصر إلى الدخول فيه..
ومثلما حدث في السودان ، وقد يحدث في العراق، تتهيأ الأجواء لفصل أجزاء من اليمن بدولة جنوبية وأخرى حوثية، والصورة ليست زاهية، والخطر الذي استشعره محيط اليمن وخارجه أن القاعدة مهيأة لأنْ تلعب دور طالبان في أفغانستان وباكستان.
وهذا الخطر طرح مفهوم الأمن الإقليمي والعالمي، إذ لا تتحمل الدول المهدَّدة بتصاعد قوة الإرهابيين أن تصبح اليمن قاعدة تتلاحم مع قواعد ناشئة في الصومال لتشكّلا محور الخطر على البحر الأحمر ودول المنطقة ، وتصبح القرصنة والتهريب لكل المواد المحرمة داعماً مادياً لهذه الحركات وبالتالي كان لابد من وقفة سريعة مع الدولة المركزية، وهذه المرة جاءت المبادرة من أمريكا وبريطانيا، وسبقتهما دول عربية أخرى،لأن سقوط اليمن بيد الإرهابيين يعني دخول لاعبين جدد سواء من قبل إيران، أو المنظمات الأم التي تعسكر خارجياً..
الوطن العربي يمر بأزمة حادة، والمؤسف أنه يتدهور أمنياً وسياسياً، ومن يعتقد أنه خارج نيران ما يجري في تلك البلدان يصادق على وهم طويل، إذ إن الاستهداف جرى تعميمه منذ السبعينيات بإحاطة إسرائيل ببلدان مجزأة ومتطاحنة ومن خلال خطط رسمت وأعدت لها السيناريوهات، وقد تطبق على الواقع طالما كل بلد عربي يتشكك ويخاف من الآخر..
