في قصيدة الشاعر الراحل عبدالله البردوني «غزو من الداخل» لازمة مؤلمة عن حال اليمن يقول فيها صاحب البصيرة الذي فقد بصره وهو ابن خمس:

فظيع جهل ما يجري

وأفظع منه أن تدري

وهل تدرين يا صنعاء

من المستعمر السري

غزاة لا أشاهدهم

وسيف الغزو في صدري

وإنه القلق المستمر على اليمن وأهله، وإنها المخاوف على مستقبله حاضرة في الأذهان مع كل شاردة وواردة تصل من هناك، ويكفي عديد الجبهات المفتوحة من صعدة وحتى مأرب مروراً بكم من هدير الغاضبين والانتهازيين، إما حقداً على تقصير صنعاء تجاههم، أو حقداً على من لاحت لهم فرصة انتقام من زمن لم يكن لهم فيه وافر نصيب من غنيمة الوطن، وما بين لسان «يلعلع» ورصاص «يقرقع» حق لنا أن نتحدث عن هذا الجرح العربي الجديد بهلع بالغ، خاصة بعد أن كثر المفتون في أمره من أصحاب الوصفات السرية والعلنية التي يمكن أن تزيد من ألمه بملئه ملحاً أو ماء نار.

والبردوني قال مخاطباً الآباء:

ماذا أحدث عن صنعاء يا أبتي

مليحة .. عاشقاها السل والجرب

وصنعاء هنا هي كل اليمن، ونضيف إلى ثنائيته ثالثة الحرب المستعرة مع غياب الأفق الذي يدعو إلى التفاؤل بإمكانية البدء في حوار داخلي صادق ناضج بحثاً عن نقطة استقرار، ومع جبهة تنظيم القاعدة التي تمتلك قدرة على استفزاز قوى العالم، واستمرار جبهة الحوثيين ذات المفصل الإقليمي، يتنامى القلق من حدوث هدوء قريب، وما نشاهده من خفوت أزيز الرصاص على بعض الجبهات لا يحتمل غير فرضية التقاط الأنفاس من أجل إعادة الكرة إلى متوالية دم جديدة.

وعورة التضاريس الجبلية في اليمن تمثل الحال الراهن بكل تداعياته التي تتوزع بين جبهات داخلية مفتوحة على كل الاحتمالات، وشظف في العيش يرمي بثقله على كل أطياف الشعب، مع غياب مزمن للتنمية وحديث عن فساد حكومي ساهم في تلوين المشهد باللون الأسود طوال الماضيات من السنيين، ليضاف إليها مع نهايات 2009 وبدايات 2010 هذا الكم الهائل من التدخلات الخارجية التي توزعت بين أكثر من عاصمة وهي لم تبدأ بطهران لتنتهي عند باب البيت الأبيض في واشنطن، وهنا الحسابات مختلفة.

حيث الولوج له ذيول ظاهرة ورؤوس مخفية، ومع كل التصريحات المطمئنة إلى تدخل بقفازات حرير في الأزمة يظل تلاشي القدرة على احتواء الموقف في اليمن مسوغاً للاعبين الدوليين تغيير شكل التعاطي وفقاً لما تفرضه الوقائع وجديد الأهداف.

والسموحة على هذا التشاؤم.. حيث التفاؤل عصي على الحضور لملء ما يتدفق على السمع والبصر من أنباء لا ملمح سرور تحمله أو حكمة تستدركها وإلى حين نتمناه قريباً.

talib99@emi.net.ae