مسيرة يوم الجمعة الماضي التي جمعت آلاف المواطنين تحت شعار «إلا لقمة العيش»، قالت الكثير وكشفت عن الجديد في تطور الحركة السياسية والشارع البحريني.

لقد سار خلف هذا الشعار الرئيسي قادة التنظيمات السياسية البحرينية على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية، من يسارية وقومية ووسطية ودينية شيعية أو سنية المذهب.

وكذلك تنوعت الجماهير التي تقاطرت إلى المسيرة من مختلف مدن وقرى البحرين، كما انضم إليها قادة الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين، وقادة النقابات وجماهيرها الذين لا يعرفون من الأصل فروقا طائفية أو قبلية أو قومية أو مناطقية.

وعلى مدى ساعة كاملة انطلقت المسيرة وعادت إلى نقطة انطلاقها، محاكية الساعة في دِقة حركة عقاربها.

وعلى طرفي الشارع وقف أعضاء اللجنة المنظمة وشرطة المرور، متعاونين في تنظيم حركة الناس والسيارات. وبصرف النظر عن خروج بعض من ائتمنوا على الهتافات عن التقيد فقط بالشعارات التي توحد، إلا أن الشعارات في معظمها جاءت تعبيرا عن الوحدة الوطنية، وعن الانضباط السياسي الصارم والواعي لدى الأكثرية.

لم تترك المسيرة بعدها أي مخلفات تعيق حركة السيارات والمارة، لكنها تركت الانطباع لدى من شارك فيها ومن شاهدها من مواطنين وأجانب، أنها عكست رقيا حضاريا لدى جميع الأطراف، أحزابا ونقابات وجماهير وحكومة. فعسى أن تكون هذه المسيرة بداية جديدة للتعبير عن وعي وإرادة الشعب المتحد، حول مطالبه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وقضاياه الوطنية الأساسية.

عبَّر المحتجون عن رفضهم القاطع لما تسرب عن نية الحكومة رفع الدعم عن أسعار المنتجات النفطية، وزيادتها ما بين 20 و25% والتوجه لخصخصة مؤسسات بيعها، ما يعني إيجاد مستوى مرتفع أصلا كقاعدة لإطلاق حلزون الأسعار في موجات متتالية.

ورغم أن الحكومة لم تؤكد ما وقع في أيدي النواب والرأي العام من معلومات بهذا الصدد، إلا أنها أيضا لم تنفه أو تعلن تراجعها عنه بشكل صارم ونهائي. الخطورة التي استشعرها الناس ودفعت بهم إلى الاحتجاج في الشارع، ليست فقط في أن هذا الإجراء سيشكل عبئا ثقيلا على جيوب المواطنين، وخصوصا فقرائهم، بل وأن ذلك:

أولا، يأتي في ظروف توجهات الدولة ومؤسسات القطاع الخاص التقشفية، تحت حجة مواجهة الأزمة العالمية والتي طالت مختلف مصادر الدخل الإضافية من علاوات ومكافآت، ناهيك عن توجه كثير من المؤسسات الاقتصادية لتجميد مستويات الأجور. أما إذا دار الحديث عن المواطنين الذين فقدوا أعمالهم، فإن الأثر سيغدو مضاعفا.

ثانيا، أن المنتجات النفطية، وخصوصا المحروقات، تدخل كمكون في كلفة الإنتاج أو النقل (أو كليهما) لكثير من السلع الاستهلاكية الضرورية، وكذلك الحال بالنسبة للخدمات كالكهرباء والمياه والنقل وغيرها.

وبما أن أسعار كثير من هذه السلع والخدمات في ارتفاع مستمر، سواء بسبب ارتفاعها من المصدر أو بسبب اتساع هامش الربح غير المبرر داخليا، فإن رفع أسعار المحروقات سيخلق بدوره مستوى أعلى لقاعدة إطلاق حلزون أسعار هذه السلع والخدمات.

ثالثا، منذ أن بدأت عائدات النفط في التراجع في السنوات الأخيرة، والدولة عاكفة على البحث عن مصادر دخل تعويضية. وهذا أمر منطقي بشكل عام، لكن غير المنطقي وغير المقبول هو أن تبحث عن هذه المصادر في جيوب الفئات الشعبية الدنيا.

ومثل هذه الإجراءات تبدو كأنها تعبير عن طبيعة طبقية راعية لمصالح الشركات الأجنبية والمحلية، والطبقات والفئات الواقعة في أعلى الهرم الاجتماعي.

هذه القوى الاجتماعية الأخيرة لن تضار كثيرا، حين تلجأ الدولة إلى سن ضرائب مباشرة تمتص شيئا من فائض دخولها لصالح الدولة والمجتمع. فهنا تكمن العدالة الاجتماعية، في حين هنا أيضا يتضح المغزى الطبقي في الفرق بين الرسوم والضرائب غير المباشرة وغير العادلة من جهة، والضرائب المباشرة والعادلة من جهة أخرى.

رابعا، وهو ما لا يقل أهمية.. أن المسألة تتعلق بالجانب السيادي للدولة. فمثل هذا التوجه في إلغاء الدعم ورفع الأسعار، يتناغم تماما ووصفات كبريات المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد والبنك الدوليان. وقد تطرقنا في الأسبوع الماضي إلى تقرير البنك الدولي بهذا الصدد.

أما الاستجابة للمطالب الجماهيرية التي أطلقتها مسيرة الجمعة الحضارية، فتعني الاستجابة للحاجات الوطنية، وصون الأمن الاجتماعي والاستقرار السياسي. وبقي على الحكومة الموقرة أن تقول كلمتها القاطعة المانعة.

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com