دبي ليست مجرد مدينة، إنها قصيدة عشق يحفظها ويرددها أولئك الذين ولدوا على أرضها، وشموا رائحة ترابها، وامتلأت صدورهم بنسيم برها وبحرها، وتفتحت مداركهم على صورها القديمة، وواكبوا نهضتها وتبدُّل ملامح صورتها على مدى عقود من الزمان لم يشعروا بمرورها، لأنهم كانوا ينتقلون من مشهد إلى مشهد بطريقة لم يجعلهم مؤلف روايتها يشعرون بأن ثمة زمناً يمضي، فكبروا معها وبها.

دبي التي في خاطري من زمن الطفولة، هي تلك الأزقة الضيقة التي جرينا فيها صغاراً، وهي ذلك التراب الذي تعفرت به أرجلنا أطفالاً، وهي تلك الليالي الشتوية التي فركنا فيها أيدينا بحثاً عن الدفء في زمن دافئ المشاعر والأحاسيس.

وهي تلك الرحلة السنوية من المدينة إلى «المقيظ» بحثاً عن نسمة هواء تطفئ لهيب الصيف الحارق، وهي تلك الأمسيات المضاءة بنور القمر المطرزة بحكايات الجدات الطيبات وهن يروين لأحفادهن حكايات ما قبل النوم، فينام الأطفال قبل أن تكتمل الحكاية ليوغلوا في أحلامهم البريئة.

دبي التي في خاطري هي تلك السفن الراسية على ضفتي «الخور» محملة بالضائع، وهي أولئك البحارة الذين لوحت وجوههم الشمس وتشربت جلودهم ملح البحر، جاؤوا من أماكن بعضها قريب وبعضها بعيد.

وبلدان سمع عن بعضها أهل دبي ولم يسمعوا عن بعضها الآخر، رغم أن ظروف العيش أرغمت الكثيرين منهم على ركوب البحر وارتياد المجهول، في زمن كانت لقمة العيش فيه شحيحة، ليعودوا إلى دبي وهم أكثر عشقاً لها وارتباطاً بها وحنيناً إلى لون ترابها ورائحة بحرها.

دبي التي في خاطري هي ذلك المزيج من اللغات، التي يلهج بها هذا الخليط من البشر ذوي الثقافات المتعددة والأصول المتنوعة، الذين شكلت لهم دبي حلماً منذ القدم، قبل أن يتفجر النفط من أرضها.

وقبل أن ترتفع الأبراج في سمائها، وقبل أن تمتد لتملأ الأفق أحياؤها، وقبل أن تنتشر فيها المراكز والمجمعات التجارية لتجعل منها أكبر سوق يمكن أن يرتاده البشر، فقد كانت دبي منذ أن خلقها الله وعرفها القاصي والداني، مالئة الدنيا وشاغلة الناس من مختلف البلدان والأجناس.

ثمة مدن تجبرك على حبها حتى لو لم تكن واحداً من أهلها، ودبي واحدة من هذه المدن التي أجبرت الجميع على حبها، حتى أولئك الذين غاروا منها وحسدوها، أحبوها على نحو ما فحاولوا أن تكون مدنهم نسخة منها، لكنهم نجحوا في استنساخ بعض من الشكل وفشلوا في استنساخ الروح، لأن روح دبي فريدة لا مثيل لها ولا يمكن استنساخها.

دبي التي في خاطري مدينة سابقت الزمن فسبقته، وقطعت منه مراحل لم يقطعها الزمن نفسه بالسرعة التي قطعتها دبي بها، حتى غدا الزمن يلهث خلفها بعد أن تركت وراءها عشرات السنين التي يحاول البعض أن يجمع غبارها، علّهم يدركون أثراً من دبي أو يلتقطون حجراً ألقت به خلفها بعد أن منحته سرها وهي تندفع كالسهم لتصنع مجدها.

دبي التي في خاطري مدينة لا تعرف النوم، ولا تنتظر قرص الشمس كي يشرق عليها، وإنما تنطلق إليه غير متهيبة الاحتراق بعد أن حصنت نفسها من اللهب واختارت من الشمس الضياء، تاركة إشعال الحرائق لأولئك الذين يكرهون العمل ويستمرئون الكسل، ولا يشغلون أنفسهم إلا بتتبع العورات وإقامة المآتم والبكاء على اللبن المسكوب واقتفاء أثر الثقوب.

دبي التي في خاطري مدينة في عنفوان شبابها، تجدد كل يوم حلتها لتبهر العالم بقدرتها على تحدي المستحيل، بعد أن اختارت لنفسها الثريا تاركة لغيرها الثرى، فاشرأبت لها الأعناق حتى أصابها الإعياء وهي تحاول أن تمد إليها الأبصار، فلا تدرك موقعها بين النجوم والأفلاك.

دبي التي في خاطري مدينة تنفض عن نفسها غبار أولئك الذين انتهزوا فرصة انطلاقها ليشوهوا صورتها، لأن دبي قد تتسامح مع الذين لا يقدِّرون طيبة أهلها وكرمهم ورحابة صدورهم، لكنها لا تسمح أبداً بالتمادي في استغلالها إلى الدرجة التي تسيء لسمعتها، فتضرب بيد من حديد كل من يظن أن خيراتها مباحة وأرضها مستباحة.

لقد قيل الكثير عما جرى على أرض دبي، وسيقال الكثير عما سيجري، لكن دبي تعودت أن لا تلتفت كثيراً إلى ما يقال ولا تعير اهتماماً لما سيقال، لأنها تعرف أن حديث الناس عنها جزء من خريطتها الوراثية التي عجز الجميع عن فك شفرتها، وفصل من حكايتها التي ما انفك الناس يتناقلونها جيلاً بعد جيل، يضيفون إليها ويحذفون منها على قدر قربهم منها وبعدهم عنها وحبهم لها وغيرتهم منها، كما هو حال كل الأساطير التي لا يصدقها البشر ويتمنون أن يكونوا جزءاً منها.

سوف تبقى دبي التي في خواطرنا جميعاً درة في جبين الزمان وجوهرة التاج التي يصعب تقليدها، يكلؤها المولى بعينه التي لا تنام، ويقودها ربان ماهر يعرف كيف يوجه دفتها، ويفديها بأرواحهم أبناؤها المخلصون الذين تفخر بهم ويفخرون بها، أما أولئك الذين أساؤوا إلى أنفسهم قبل أن يسيئوا إليها، فليسوا أكثر من مرحلة.

وفي تاريخ البلدان والشعوب مراحل كثيرة؛ يذهب الأسود منها إلى حيث يعلم الجميع، ولا يبقى في سجل الخلود إلا ناصع البياض شديد النقاء «فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض».

aliobaid4000@yahoo.com