أياً كانت الضغوط، ومهما كانت الوعود، فلا ينبغي للسلطة الفلسطينية أن تعود لمائدة التفاوض، إلا إذا كانت الطريق واضحة والاتفاق مسبقا على الخطوط الأساسية للحل، ليكون التفاوض فقط على وسيلة التنفيذ وتوقيتاته.
وأياً كانت الضغوط، ومهما كانت الوعود، فلا بد أن تتمسك السلطة الفلسطينية بأن العودة لمائدة التفاوض لا بد أن ترتبط بالوقف الكامل للاستيطان في كل الأرض المحتلة بما فيها القدس.
وبأن تكون المرجعية لهذا التفاوض، هي القرارات الدولية والالتزامات الأميركية والأوروبية بإقامة الدولة الفلسطينية على كامل الأرض المحتلة عام 67.
وبأن تبدأ عملية التفاوض من حيث انتهت، وبأن يكون واضحاً أن المجتمع الدولي سيفرض الحل في نهاية المهلة المحددة للتفاوض، إذا راوغت إسرائيل كالعادة.
بدون ذلك سيكون التفاوض المقترح مجرد فترة للتهدئة.. تريدها أميركا لتتفرغ لحسم التحديات الأهم في المنطقة بالنسبة لها، وتريدها إسرائيل لتواصل التهام الضفة وتهويد القدس ولتتهرب من الضغوط الدولية عليها.
ولتكون الإدارة الأميركية في نهاية مدة التفاوض المقترحة شبه رهينة لدى اللوبي الصهيوني، حيث يكون أوباما على موعد مع انتخابات التجديد للولاية الثانية.
لقد وصف الرئيس الفلسطيني ما سمعه المسؤولون المصريون عن المقترحات الجديدة من الجانبين الأميركي والإسرائيلي ونقلوه إليه، بأنه «ضبابي»..
والسؤال هو: هل سينقشع الضباب بعد الزيارة الهامة التي يقوم بها وزير الخارجية المصري والمسؤول الأساسي عن الملف الفلسطيني في مصر اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات لواشنطن؟
وهل سيجد المسؤولان المصريان إجابات عن الأسئلة الأساسية حول ما تنوي أميركا طرحه لبدء التفاوض، وما يطمئن الجانب الفلسطيني والعربي على جدية التحرك الأميركي هذه المرة؟ وقبل ذلك وبعده..
هل استطاعت التحركات العربية الأخيرة، التي شاركت فيها السعودية والأردن وسوريا والسلطة الفلسطينية وحماس، بلورة موقف عربي واضح ومحدد للتعامل مع الموقف؟
إن ما نشر عن المقترحات الأميركية يقول إن المحادثات ستتركز لمدة تسعة شهور حول حدود الدولة (على أساس حدود 67 مع التعديلات التي يتفق عليها).. ولكن ماذا إذا لم يتم الاتفاق؟
وبعد ذلك يبدأ التفاوض إلى نهاية العامين حول القضايا الأخرى للحل النهائي، ويبدأ أيضا تطبيق ما تم الاتفاق عليه في المرحلة الأولى بنقل أجزاء الضفة إلى سيطرة السلطة الفلسطينية. وأيضا ماذا إذا لم يتم الاتفاق؟..
وهل تكفي خطابات ضمان أميركية مقترحة للطرفين.. هي في حقيقتها لا تساوي الكثير، لأن ما يقوله خطاب الضمان لكل طرف يلغيه ما يقوله خطاب الضمان للطرف الآخر..
فماذا يعني الحديث للفلسطينيين عن دولة في حدود 67، إذا كان خطاب الضمان للإسرائيليين يعيد التأكيد على الالتزام الأميركي برسالة الرئيس السابق بوش إلى شارون، التي يعترف فيها بالوضع الناشئ بعد 67، أي بالكتل الاستيطانية الكبرى غرب الضفة الغربية وفي محيط القدس، لتكون تحت السيادة الإسرائيلية؟!
إن إسرائيل تضغط من أجل استئناف التفاوض، ليس للوصول إلى تسوية عادلة، ولكن من أجل الخروج من مأزق تواجهه حين تعاملها أوروبا كدولة احتلال ترتكب جرائم حرب، ويطارد القانون الدولي مسؤوليها لمحاكمتهم كمجرمين في حق الإنسانية.
وإسرائيل تضغط من أجل التفاوض وهي تعرف أنها لن تقدم شيئاً يمكن قبوله من الفلسطينيين، وتدرك أنها فقط تشتري الوقت لتنفيذ مخططاتها، ووزير خارجيتها يقول إن مفاوضات لمدة 16 سنة لم تسفر عن شيء، ولا بأس من التفاوض لمدة مماثلة بدون نتيجة..
بينما وزير التجارة والصناعة بن اليعازر الذي رافق نتنياهو في زيارته الأخيرة للقاهرة، يقول بوضوح إن «تحريك العملية السياسية (مع الفلسطينيين ) يجعلنا نتفرغ جميعاً لمعالجة المشكلة الأساسية، وهي الملف النووي الإيراني»!
أما الولايات المتحدة التي فشلت في الضغوط على إسرائيل للوقف الكامل للاستيطان، فإن استئناف المفاوضات يغطي هزيمتها أمام نتانياهو، ويمنحها الفرصة لاستعادة بعض البريق الذي أعطاه أوباما حين بدأ في تصحيح علاقتها مع العرب والمسلمين، قبل أن يتراجع أمام نتانياهو واللوبي الصهيوني الأميركي.
كما يعطيها فترة التهدئة المطلوبة وهي تخوض حربها في أفغانستان وباكستان وتحاول ترتيب انسحابها من العراق، ثم تبدأ في التورط في جبهة اليمن بكل تداعياتها الخطيرة على المنطقة.
ولا شك أن التحركات العربية في الأيام الأخيرة تعكس القلق من انفجار الموقف، والإدراك العميق لخطورة انكشاف الأمن القومي بهذه الصورة المرعبة، واستثمار الخلافات العربية والصراعات الداخلية لكي يتسلل النفوذ الأجنبي إلى الأقطار العربية.
وما نرجوه هو أن يكون محور التحركات العربية الأخيرة، هو بناء الموقف العربي القادر على مواجهة هذه التحديات..
فالحل في اليمن ينبغي أن يكون عربياً وإلا قادنا التدخل الأجنبي إلى كارثة، والموقف في فلسطين لن يحسمه تفاوض من أجل التفاوض، أو من أجل توفير التغطية لحرب جديدة سنكون وقودها، أو لصفقات مريبة سندفع ثمنها.
و.. من المهم أن نستوضح حقيقة المقترحات الأميركية بشأن فلسطين، وأن نعرف ماذا تخطط واشنطن بشأن اليمن.. ولكن الأهم أن تكون لدينا مخططاتنا العربية للمواجهة.
وأن تكون التحركات العربية الأخيرة قد فتحت الباب لموقف مسؤول، يكون فيه الجميع (دول وفصائل) جزءاً من استراتيجية واحدة، لا مكان فيها إلا للمصلحة العربية.
كاتب مصري
