ما حدث، ويحدث، وسيحدث للقدس من انتهاك لقدسيتها يذكرني بموقف غولدا مائير بعد إحراق الأقصى عندما سئلت عن أصعب، وأسعد يوم في حياتها، فأجابت: «أصعب يوم هو يوم إحراق المسجد الأقصى، أما أسعد يوم فهو اليوم التالي لإحراقه» بعدما رأت هزالة رد الفعل في العالمين العربي والإسلامي، وكيف أنهم لم يحركوا ساكنا!
موقف مائير يذكرني بموقف نتنياهو 2009 باقتحامه للأقصى مع فارق كبير، وكبير جدا.... الفارق أنه يتعامل مع الموقف وأيديه وأرجله في ماء بارد، دون شعور بالقلق، أو انتظار لردات فعل عربية وإسلامية في اليوم التالي.
فالأمور باتت «محسوبة»، بل و«محسومة»، انه يغط في نوم عميق وشخيره يعلو سماء فلسطين المحتلة من النقب لأعلى نقطة في الجليل لأنه يتعامل مع أمة لا حراك فيها، أمة ضاعت منها فلسطين نعاسا، وغفلة، واحتيالاً على حد تعبير الشاعر مريد البرغوثي، وليس في أجندتها القدس لأنها مشغولة بأجندات أخرى أكثر مصيرية؟ وأكثر أهمية من القدس؟!
وأكاد أجزم أن نتنياهو ما كان ليجرؤ على تدنيس الأقصى بهذه العنجهية لولا شعوره بأن الوقت مناسب، ومثالي حتى لهدمه وإقامة الهيكل المزعوم وليس لمجرد اقتحامه أو على حد تعبير أحد قادته بالسماح «للمؤمنين» بالصلاة فيه، وهو المصطلح المفخخ للسماح لغلاة الصهاينة للصلاة فيه على غرار ما حدث في الحرم الإبراهيمي بالخليل، فردة الفعل باتت معروفة سلفا:
التنديد والاستنكار وهبة ليومين أو أكثر بقليل يمكن بعدها لغلاتهم تطبيق مقولة أفلام المقاولات العربية «يبقى الوضع على ما هو عليه، وعلى المتضرر اللجوء للقضاء».
أعود للعنوان (القدس بين ناري: الانقسام، ولعبة البينج بونغ) فأقول، أنه ما كان لنتنياهو وعصابة «أمناء جبل الهيكل» أن يقترفوا هذه الجرائم وأن يعربدوا في باحات الأقصى لولا المشهد الفلسطيني المحزن، المبكي، الذي أوصلنا جمعاء لحالة من القرف، وأقصد الانقسام الفلسطيني.
الأمر الثاني، ما ذكره لي الصديق ناصر اللحام رئيس وكالة معا الاخبارية وهو الافتقار لاستراتيجية فلسطينية واضحة المعالم للتصدي للهجمة الصهيونية، بمعنى أن الصهاينة يلعبون مع الفلسطينيين في القدس لعبة «البينغ بونغ»، أي الانتقال من مكان لمكان بلمح البصر.
يفتحون جبهة أمام خيمة أم كامل الكرد فيحدث تجمع وتظاهر..
ينتقلون لحي البستان، فينتقل الجمع هناك تاركين أم كامل وحدها تواجه مصيرها...
يتركهم الصهاينة بحي البستان ليفتح جبهة جديدة بالأقصى واقتحامه فيهرول الجمع تلبية لنداء الأقصى.
ما أن تنتهي مأساة الأقصى مؤقتا أو تهدأ قليلاً حتى يفتعل مواجهات أمام بيت الغاوي، أو بيت أبو عيشة، أو أمام بيوت مهددة بالهدم والإزالة... الخ.
ينشغل الجميع بهذه الملهاة أو المأساة فيذهب العدو بعيدا لإرهاقهم باللهاث خلفه لفتح جبهة جديدة بالشيخ جراح حيث باتت الخيام تشكل ظاهرة على قارعة الشوارع.
لعبة «البينغ بونغ» يلعبها نتنياهو باحتراف بينما نحن لا نمتلك استراتيجية للحفاظ على عروبة وإسلامية القدس بمنطق علمي ممنهج ووفق خطة شاملة، لأننا نتعامل مع قضايا القدس بردود أفعال باهتة لا بمبادرات «واعدة» أو «واعية«!
في ظل غياب المنهجية تهود القدس رويدا رويدا، وعلى سمع وبصر العالم، ليس في حدود الأقصى فقط أو فيما يسمى صهيونيا «بالحوض المقدس»، وأكاد أجزم أن معظم من يتحدثون عن الأقصى لا يعرفون حدوده، ولا معنى ورمزية قوله تعالى «باركنا حوله»، وأن أكثريتهم لا يعرفون حدودها الجغرافية!
هذا الجهل بحقائق التاريخ والجغرافيا مكن الصهاينة مثلا من اكتشاف مقبرة إسلامية بحي سلوان المجاور في منطقة «وادي حلوة» ونظرا لإسلاميتها تم إخفاء معالمها ونثر الرفات على مساحات شاسعة.
الغياب الآخر الذي تعاني منه القدس أشار إليه الصديق ناصر اللحام وهو غياب قائد «كاريزمي» كالمناضل المرحوم فيصل الحسيني «أبو العبد» الذي التقيته في أبوظبي على هامش فعاليات مهرجان «لبيك يا قدس» بدعم ورعاية المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.
حيث أحسست في حواري معه ما بداخله من عشق للقدس، انه لا يشعر باستقرار إلا بها، كما كان يردد دائما وكما أباح لي، يعشق تاريخها وجغرافيتها، يعشق المكان والزمان، يعشق الماء والهواء في القدس، زهد بالسكن في فيلا فخمة بضواحي القدس وأحب الالتصاق بأهله وناسه «بشوارع القدس العتيقة»، «زهرة المدائن» في مقر «جمعية الدراسات».
إن الحفاظ على القدس بحاجة لجهود كجهود فيصل الحسيني يرحمه الله لا بطائرات ورقية ملونة، لا تحافظ على مقدسات، ولا تستعيد حقوقا، ولا تسد رمق جياع أبناء القدس ولا تسهم في تعليم أطفالها القدس الذين يفتقرون للقرطاسية ومقاعد الدراسة وأقلام الرصاص...
كاتب وإعلامي فلسطيني