استقراء الاحداث عبر التاريخ يعطي نتيجة واضحة تحدد معالم الشخصية الاسرائيلية المعاصرة، خاصة اولئك الذين هم في مقاعد السلطة ومطلوب منهم أن يبادروا بتقديم دلائل على نيتهم في التفاوض من اجل السلام ، فإذا بهم يقدمون ذرائع واهية عن يهودية الدولة واحتمالات الغرق في بحر من الأعداء ، ومسألة التهديد الوجودي ، وتصدير الأزمات إلى الآخر ، كل ذلك يدل على أن اسرائيل ليست دولة طبيعية ، تسعى إلى الاستقرار والرخاء لنفسها وكل دول المنطقة ، بل هي تسعى إلى ايجاد مناخ من التوتر الدائم الذي يعطيها ذريعة اخرى للمماطلة.
فإذا ما قدمت اسرائيل (تنازلات) ونعمت المنطقة العربية بالهدوء وتواصلت برامج التنمية بدون منغصات فإن ذلك سيؤدي إلى تزايد معدلات النمو في المنطقة وهذا يخيف الاسرائيليين كثيرا على وجودهم ، ليس لأن العرب سيهاجموها اذا صاروا أقوياء، ولكن لان عرى المجتمع الاسرائيلي ستتفكك لعدم وجود قضية او صراع يجمعهم حوله ، لكونهم جاءوا من مناطق متعددة ولا رابط بينهم من قومية او الانتماء إلى ارض معينة ، فمازال المهاجرون إلى اسرائيل يتكلمون لغات أوطانهم الاولى. ويمارسون عاداتهم وتقاليدهم التي جاءوا بها ، ومن ثم اصبح مجتمع اسرائيل مجتمع تناقضات لابد أن يكون في حالة استنفار خوفا من عدو خارجي بينما العدو الحقيقي كامن في انفسهم القلقة دائما من احتمالات المستقبل فيما لو عم السلام المنطقة.
انهم يقدمون أدلة غريبة على استعدادهم للسلام لا تتطابق مع الواقع على الاطلاق فهم يعتقلون الفلسطينيين ليساوموا على اطلاق سراحهم مقابل تنازل فلسطيني ويقيمون الحواجز لنفس الغرض ويبنون مستعمرة ويفككون اخرى (هيكلية)، وإن وافقوا على شيء تراجعوا عنه ، فقد وافقوا على قوات امن للسلطة الوطنية الفلسطينية وتراجعوا عن تسليحها وإدخال دعم لوجستي لها من الخارج ، ووافقوا على وقف الاستيطان ثم تراجعوا ، واعطوا الأمان لسجناء مفرج عنهم في الضفة ثم قتلوهم في بيوتهم. وإذا فتحوا معبرا يعودوا ليغلقوه في اليوم التالي ، ويهاجمون الفلسطينيين بسبب وبغير سبب، فماذا نفهم من ذلك كله؟ لا شيء سوى امر واحد أن اسرائيل لا تريد السلام بل تخاف منه على وجودها ، فكيف يترك لهم الوسطاء حق اختيار الترتيبات التي تناسبهم لبدء مفاوضات الحل النهائي؟.
ونقول من الآن أن المفاوضات لو بدأت من جديد فستضع اسرائيل عراقيل جديدة اولها حكاية قديمة اسمها (استبدال الأراضي) أي يأخذون القدس الشرقية مثلا ويعطون الفلسطينيين ارضا بديلة في (صحراء النقب) واذا رفض الفلسطينيون يقول الاسرائيليون أن الرفض ليس من جانبنا.
إن اشكال التحايل على استحقاقات السلام لن تتوقف ما لم يكوّن المجتمع الدولي موقفا واضحا وضمانات أكيدة لانجاح عملية التفاوض وأولها اعتراف المجتمع الدولي بالدولة الفلسطينية باستحقاقاتها الشرعية الثابتة اذا غيرت اسرائيل في المرجعيات الأصلية لعملية السلام واهمها قرارات مجلس الأمن ذات الصلة. وإلا سيظل الاسرائيليون يتذرعون بالخوف من المجهول.
