الحراك الدبلوماسي الذي تتصدى له حالياً أطراف ما يسمى محور الاعتدال العربي يوحي بأن هناك أمراً، إما نضج وحانت ساعة الحصاد، وإما فشل وحانت ساعة تغيير المسار، فما الذي نضج؟ وما الذي فشل في هذا المشهد الممتد عميقاً في التاريخ المعاصر للمنطقة إلى درجة بات معها يبعث على الاكتئاب؟

سؤالان لا ثالث لهما في هذا المقام تقابلهما وتجيب عنهما جزئياً أو كلياً عدة حقائق غير قابلة للجدل، بطلها كالعادة الكيان الصهيوني الذي يعمل على استكمال مشروعه السرطاني على ثلاثة جبهات: الاستيطان في الضفة الغربية، خنق قطاع غزة، خنق فلسطينيي مناطق 48 تمهيداً لترحيلهم، فيما تتكفل أطراف فلسطينية وعربية ودولية بالباقي من نوع تنحية حقوق تاريخية فلسطينية على رأسها حق العودة جانباً.

حركة الاستيطان في الضفة الغربية لم ولن تتوقف حتى لو لفترة مؤقتة لا تتجاوز ستة شهور، كما باتت تطالب بعض الأطراف الفلسطينية والعربية، وحتى لو عاد المبعوث الأميركي جورج ميتشل خائب الرجاء إلى بيته الأبيض، وحتى لو كلف هذا الموقف الدولة العبرية وحلفائها حرباً أو حروب جديدة، فالمسألة لا تتعلق هنا بمطلب فلسطيني بقدر ارتباطها العضوي بمشروع وجود هذا الكيان برمته.

على جبهة قطاع غزة لم توقف الآلة العسكرية الصهيونية عدوانها وحربها المباشرين، الذين بوسعها استئنافهما بأي لحظة، إلا بعد أن أصبحت أجواء وبحر غزة تقع تحت مسؤولية ما يسمى المجتمع الدولي الذي أخذ على عاتقه حماية الدولة العبرية من مخاطر واهية قد تأتيها من الخاصرة الجنوبية.

ولم توقف حرق أطفال غزة بالقنابل الفسفورية إلا بعد حصولها على ضمانات دولية وعربية، وحتى من سلطة رام الله أو بطلب منها ليس باستمرار الحصار على أهالي القطاع فحسب، بل أيضاً بتطوير أدواته الفتاكة، التي يشهد العالم قاطبة صامتاً آخر فصوله الجائرة من خلال غرس فولاذ العار الحاقد على الحدود المصطنعة أصلاً بين غزة ومصر.

أما على جبهة مناطق ال48 والقدس، فالحديث يطول بدوره والكلام عن القوانين والإجراءات الصهيونية الضاغطة على سكان هذه المناطق لا ينتهي، من التهويد إلى التهديد بترحيل تسن الدولة العبرية سكاكينه على قدم وساق، بما في ذلك سكين التمييز العنصري على المستويات كافة بما فيها الدينية والقومية وحتى المدنية والطبقية.

وإذا أضيف إلى كل ذلك التطاول الصهيوني في المنطقة ذاك العنصر العربي المتعلق بانسداد أي أفق لأي تغيير ديمقراطي في أعمدة النظام الرسمي العربي يتيح في المجال أمام تغييرات حقيقية قد تخرج المنطقة من دائرة عصا المايسترو الأميركي، فإن المشهد يصبح أكثر فظاعة والمواطن الفلسطيني والعربي أكثر شعورا بالانكسار والهزيمة والخذلان.

ما يدفعه إلى الخروج عن المألوف والبحث عن أدواته الخاصة للتغيير أو الهروب، واقع يفتح الأفق واسعاً على الإجابة على السؤال التقليدي: لماذا يكرهوننا؟ وهو السؤال الذي يتردد صداه عادة في الدوائر الغربية.

لا جديد يدعو إلى فرج في أفق تسيطر عليه نزعات يهودية ـ مسيحية متطرفة، لكن ثمة حاجة لمواصلة دوامة ما يسمى مفاوضات السلام العبثية بين فلسطينيين وإسرائيليين، بعد أن تحولت تلك الدوامة إلى أداة فعالة حقيقية لاستمرار تلك السيطرة.

ما دفع واشنطن بعد استقبالها بنيامين نتانياهو منذ بضعة أيام إلى الإيعاز لممثليها في المنطقة للضغط على الجانب الفلسطيني وتأمين ما يلزمه من ماء لحفظ ماء وجهه، حين يستأنف ذلك العبث بعد تخليه عن شرط وقف الاستيطان.

bassil@albayan.ae