في الدول الراغبة في التقدم والتطور يكون التعليم هاجسها وقضيتها المصيرية وأمنها القومي وخط الدفاع الأول عن المستقبل التعليم، من أجل إعداد أجيال قادرة على قيادة عملية التنمية وفق نظام تعليمي واضح ومحدد الأهداف ويلبي حاجات ومتطلبات الدولة في القدرة المعرفية والتفوق العلمي.
والدولة التي يتسم نظامها التعليمي بالتخبط والعشوائية واللاتخطيط واللاهدف تكون قد تعدت مرحلة الخطر وقفزت بإرادتها مباشرة إلى مرحلة الضياع والانهيار.
لن نقارن بين نظامنا التعليمي ـ إذا كان لدينا نظام تعليمي في الأساس ـ وبين النظم التعليمية الأخرى في باقي دول العالم، فالنتيجة في غير صالحنا، بل ظالمة في حق أمم تحتضر بسبب انهيار تعليمها. وهنا يلوح السؤال هل تنهار الأمم بسبب ضعف مستوى التعليم؟
في الولايات المتحدة الأميركية القوة الكبرى اقتصادياً وعلمياً وتكنولوجياً وعسكرياً في العالم صدر بها تقرير عجيب في عام 1983 في عهد الرئيس الراحل رونالد ريغان، يحمل عنواناً ضخماً باسم «أمة في خطر» بعد أن استشعر خبراء التعليم فيها أن هناك 65 فرداً من الشعب الأميركي من أصل 300 مليون نسمة لا يحسنون القراءة والكتابة ويقرأون بصعوبة.
إضافة إلى أن هؤلاء الخبراء لاحظوا انتشار العنف والمخدرات في المدارس، فرفعوا شعار «أميركا في خطر»، وكان بمثابة صرخة مدوية في المجتمع الأميركي، وقالوا: «لو كان التعليم بحالته الراهنة في الولايات المتحدة مفروضاً من قوى خارجية لا بد أن ننظر إليه كعمل عسكري ضد الشعب الأميركي»!
ثم ماذا حدث؟
انطلقت خطوات الإصلاح من جميع القوي المجتمعية والحكومية لتشخيص الأسباب، وكان أولها ضعف مستوى المعلم، ولم يمر عام 88 إلا وقد تم تطبيق نظام الكفاءة في 44 ولاية أميركية يتحدد بموجبه مدى كفاءة المعلم لشغل الوظيفة، ولم يتم الاكتفاء بذلك.
بل عمدت الأجهزة الحكومية إلى إعطاء المعلم مزيداً من المكانة المهنية والحرية والثقة بما يمنحه مكانة اجتماعية مميزة تعيده كقدوة لها احترامها ومكانتها في النفوس، عملاً بمقولة أمير الشعراء أحمد شوقي «قف للمعلم وفه التبجيلا.. كاد المعلم أن يكون رسولا». وكي لا ننسى فأحمد شوقي شاعر مصري وليس أميركياً.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تم نشر مشروع في عهد الرئيس بوش الأب عام 91 بعنوان «أميركا عام 2000ـ استراتيجية للتعليم» بهدف تحقيق نظام تعليم يجعل الطالب الأميركي في المرتبة الأولى عالمياً في العلوم والرياضيات.
ومازالت الاستراتيجية مستمرة رغم تغيير الرؤساء والوزراء، فإذا كانت أميركا وهي القوة العظمى لعقود طويلة قادمة أعلنت أنها «أمة في خطر» فماذا يا ترى ستعلن دولة من دولنا العربية نظامها التعليمي لا يمكن معرفة هويته وملامحه وخصائصه وأهدافه؟
ولا نريد الضغط على الجرح ونقارن وضعنا التعليمي بدول أخرى ويكفي فقط أن نقرأ تقريراً صادراً منذ عامين تقريباً عن منظمة التعاون والتنمية الأوروبية بعنوان «نظرة على التعليم 2007»، ذكر فيه أن «إسرائيل» تقدمت على الولايات المتحدة الأميركية في حجم الإنفاق على التعليم، حيث بلغت نسبته 8 .3% من إجمالي الناتج المحلي مقابل 4 .7% للولايات المتحدة و2 .7% لكوريا الجنوبية.
والدول التي يتحدث عنها التقرير تنتهج سياسة السوق الحر وغالبية الجامعات فيها تخضع لإدارة الحكومة، وتحظى بمكانة عالية مرموقة ويطمح إليها معظم الطلاب وبمصروفات دراسية منخفضة للغاية، بل بعض الدول مثل اليابان يتضمن نظامها التعليمي في مرحلة الجامعة تخصيص جامعات لتخريج طلاب في وظائف معينة.
وفقاً لمتطلبات واحتياجات الدولة وسوق العمل، فجامعة طوكيو ـ مثلاً ـ تخرج رجال الوظائف البيروقراطية العليا، وجامعة «واسيدا» تخرج السياسيين والصحافيين، وجامعة «كييو» تخرج رجال الأعمال التنفيذيين، وهكذا باقي الجامعات.
ولن نتحدث عن نظام التعليم الياباني بالطبع ولا عن المناهج أو عدد ساعات اليوم الدراسي ومكانة المدرس، لأن مخرجات التعليم الياباني تنبئ بسلامة المنظومة بالكامل.
الحديث عن التعليم في تلك الدولة يصيبنا بالحسرة والألم الموجع لكل ذي ضمير وإحساس وخوف على مصير الوطن العربي.. و«الحكاية مش ناقصة».
