في غابة التحليلات والمناقشات، التي دارت حول الاستراتيجية الأميركية الجديدة، تبرز بقوة مجموعة الأفكار التي طرحها زبجنيو بريجنسكي، مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي من 1977 إلى 1981.
ولا يملك القارئ العربي إلا أن يتوقف طويلا عند ما طرحه بريجنسكي في مقاله بعنوان «من الأمل إلى الجرأة ـ تقييم لسياسة أوباما الخارجية» المنشور في العدد الأخير من مجلة «فورين أفيرز» الأميركية، وعلى وجه التحديد ما يتناول الشرق الأوسط كمسرح لواحد من أبرز ثلاثة تحديات عالمية تواجهها الإدارة الأميركية. التحديات الثلاثة التي يرى بريجنسكي أنها تواجه قيادة البيت الأبيض هي: أولا ـ عملية السلام في الشرق الأوسط، التي يصفها بريجنسكي بأنها التحدي العاجل، ولا يتردد في الإعراب عن اعتقاده بأن فريق أوباما لم يظهر في معالجته لها براعة تكتيكية ولا حزما استراتيجيا... ثانيا ـ ما يصفه المفكر الأميركي بالتحدي الإيراني، الذي يرى أنه متعلق بطبيعة البرنامج النووي افيراني ودور طهران في المنطقة.
ثالثا ـ المستنقع الأفغاني الباكستاني، الذي يرى أنه يشكل ورطة ملحة وذات طبيعة سياسية حساسة بالنسبة لإدارة أوباما.
وعلى الرغم من أن القارئ لابد له من أن يدرك أن هذه التحديات ليست منفصلة بالضرورة عن بعضها، فإنه من المحتم أن يركز اهتمامه على البعد الأول المتعلق بالصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
من منظور بريجنسكي، فإن هناك إجماعا دوليا على نقاط أربع، يراها منطلقا لمعالجة الإدارة الأميركية للتحدي الأول، فهو يرى أن عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى إسرائيل «انتحار سياسي» لن تقبل به القيادة الإسرائيلية، ويؤكد ضرورة «اقتسام أصيل» للقدس بين الطرفين المتصارعين.
ويشير إلى أهمية أن تكون خطوط 1967 أساس التسوية، وهو لا يرى مناصا، أخيرا، من التزام من جانب واشنطن أو الحلف الأطلسي بنشر قوات على طول نهر الأردن، كتعزيز للأمن الإسرائيلي بعمق استراتيجي.
ما يطرحه بريجنسكي لا يمكن إلا أن يكون مثيرا للاهتمام، بكل المعايير، وجديرا بالتوقف عنده طويلا، لكنه أيضا لابد له من أن يشكل منطلقا لأفكار من المحقق أنها تؤرق العرب جميعا، وتدعوهم إلى النظر بمزيد من الإمعان إلى ما يمكن أن يسفر عنه المستقبل والتحرك لتشكيل مقوماته، قبل أن يفوت الأوان:
أولا ـ إذا كان بريجنسكي لا يتردد في التأكيد على الطابع الملح والعاجل للصراع في المنطقة، كتحد مطروح على إدارة أوباما، ويرى أن الأشهر القليلة المقبلة ستكون بالغة الأهمية، وأن الوقت ينفد بالنسبة لإمكانية التحرك الحاسم، فإن القارئ العربي لا يمكن إلا أن يدرك أن القيادة الإسرائيلية، في مختلف مراحلها وعلى تعدد الوجوه التي تمثلها.
تبدو حريصة على إهدار الوقت، لأنها في غضون هذا الوقت المهدر تكرس واقعا على الأرض لا يمكن إلا أن يكون في غير صالح الفلسطينيين، وبصفة خاصة على صعيد بناء المستوطنات، ويتصرف الكثير من صانعي القرارات العرب والفلسطينيين، في إطار يوحي بأن الأفق الزمني ممتد أمامهم إلى ما لا نهاية، وأن الوقت المهدر لا يدفع ثمنه غاليا من دم المصير العربي ولحمه.
ثانيا ـ تعكس ملامح عدة فيما يثيره بريجنسكي إحساسا لا سبيل إلى إنكاره بأن الكثيرين من صانعي الساسات الأميركية يتحركون انطلاقا من الاعتقاد بأن هذه المنطقة من العالم تخلو إلا من إسرائيل، وأن الحضور العربي، حتى في ذروته، هو إعلان بالغياب، ومن ثم فإنه يمكن اتخاذ القرارات نيابة عن العرب، لأن فرضها عليهم، تحت اسم دور الوسيط، هو أمر متاح ووارد وممكن، في نهاية المطاف.
ثالثا ـ يرتبط هذا الجانب بحقيقة جلية، وهي انه خلافا لما هو متوقع، لم يشهد عالمنا العربي جهدا حقيقيا وأصيلا وفعالا لإعادة بناء النظام الإقليمي العربي . حقا إن هناك العديد من العناصر والقوى والمؤثرات التي تجعل من هذا الجهد شيئا تكتنفه الصعوبات، وتعترضه العقبات، لكنه في نهاية المطاف ليس شيئا مستحيل التحقيق.
رابعا ـ من المحقق أن الكثيرين يتوقفون عند حقيقة لا يمكن إلا أن تلفت النظر، وهي انه بينما تمضي المفاوضات والمحادثات قدما بين القادة الإيرانيين ونظرائهم في الشرق والغرب على السواء، فإننا لا نجد جامعة الدول العربية تبادر بالتحرك للتفاوض مع طهران بما يضمن أرضية مشتركة لتحقيق مصالح الجانبين.
خامسا ـ من المدهش حقا أن العالم العربي لم يبلور حتى الآن حوارا حقيقيا مع إدارة أوباما، على الرغم من الأفكار العديدة، التي طرحت في هذا الصدد قبل عام من الآن.
سادسا ـ لا تزال الدبلوماسية العربية بعيدة عن الحركة النشطة مع القوى الأكثر تأثيرا في العالم اليوم، وليست الوضعية المتواضعة للحوار العربي - الصيني إلا النموذج الأكثر إثارة للدهشة والاستغراب في هذا المجال.
ويبقى، أخيراً، أن نبادر إلى القول إن تعليق العرب للآمال على المستقبل في تحقيق آمالهم لا ينبغي أن يظل تجسيدا للتفكير بالتمني، وإنما يتعين أن ينتقل، على نحو حاسم، من الأمل .. إلى الجرأة.

