من عميق الكلام ما قاله الإمام ابن قيّم الجوزيّة، رحمه الله، في مؤلفه القيم «زاد المعاد في هدي خير العباد»، في كشف شامل لظاهرة الفساد من وحي القرآن، حيث يقرر أن من له معرفة بأحوال العالم ومبدئه، يعرف أن جميع الفساد في جوه ونباته وحيوانه وأحوال أهله حادث بعد خلقه بأسباب اقتضت حدوثه.

ولم تزل أعمال بني آدم ومخالفتهم للرسل تحدث لهم من الفساد العام والخاص، ما يجلب عليهم من الآلام والأمراض والأسقام والطواعين والقحوط والجدوب وسلب بركات الأرض وثمارها ونباتها وسلب منافعها أو نقصانها، أمورا متتابعة يتلو بعضها بعضا.

إن لم يتسع علمك لهذا فاكتف بقوله تعالى «ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس» الروم: 41، وأنزل الآية على أحوال العالم، وطابق بين الواقع وبينها، وأنت ترى كيف تحدث الآفات والعلل كل وقت في الزرع والحيوان.

وكيف يحدث من تلك الآفات آفات اخر متلازمة، بعضها آخذ برقاب بعض، وكلما أحدث الناس ظلما وفجورا، أحدث لهم ربهم تبارك وتعالى من الآفات والعلل في أغذيتهم وفواكههم وأهويتهم ومياههم وأبدانهم وخلقهم وصورهم وأشكالهم وأخلاقهم من النقص والآفات، ما هو مستوجب من أعمالهم وظلمهم.

وكانت الحبوب من الحنطة وغيرها أكثر مما هي اليوم، كما كانت البركة فيها أعظم، وقد روى الإمام أحمد بإسناده أنه وجد في خزائن بعض بني أمية صرة فيها حنطة أمثال نوى التمر، مكتوب عليها «هذا كان ينبت أيام العدل».

وقد جعل الله سبحانه أعمال البَر والفاجر مقتضيات لآثارها في هذا العالم اقتضاء لا بد منه، فجعل منع الإحسان والزكاة سببا لمنع الغيث من السماء، وجعل ظلم المساكين والبخس في المكاييل وتعدي القوي على الضعيف سببا لجور الملوك والولاة الذين لا يرحمون إن استُرحموا.

ولا يعطفون إن استُعطفوا، وهم في الحقيقة أعمال الرعايا ظهرت في صور ولاتهم، فإن الله سبحانه بحكمته وعدله يظهر للناس أعمالهم في قوالب وصور تناسبها، فتارة بقحط وجدب، وتارة بعدو وتارة بولاة جائرين وتارة بأمراض عامة، وتارة بهموم وغموم تمتلك نفوسهم لا ينفكون عنها، وتارة بتسليط الشياطين عليهم تؤزهم إلى أسباب العذاب أزا، لتحق عليهم الكلمة، وليصير كل منهم إلى ما خلق له.

والعاقل يسير ببصيرته بين أقطار العالم فيشاهده، وينظر مواقع عدل الله وحكمته، وحينئذ يتبين له أن الرسل وأتباعهم خاصة على سبيل النجاة، وكثير من الخلق على سبيل الهلاك سائرون وإلى دار البوار صائرون، والله بالغ أمره لا معقب لحكمه ولا راد لأمره، وبالله التوفيق.

al_khabar@hotmail.com