أزمات تتوالى بتبعاتها الخطيرة على الإنسان والأرض تهب على العالم بلا نهاية، وقمم تتوالي بآمالها الكبيرة في معالجتها، تنعقد ثم تنفض بلا اتفاق على روشتة العلاج أو بلا اتفاق حاسم على الحلول..

الأزمة المالية الأميركية والأزمة الاقتصادية العالمية الناجمة عنها، مصدرها الرأسمالية الغربية وآليات الحضارة المادية اللا إنسانية، والأزمة الغذائية العالمية بسبب شح الدول الغنية في الإنفاق على الاستثمار في إنتاج الغذاء للفقراء طاقة الحياة، والإسراف في الاستثمار على إنتاج السلاح لتدمير الحياة، والأزمة البيئية العالمية بسبب مبالغة الدول الصناعية في صناعة التقدم على حساب البيئة، وتعمير الجزء بتدمير الكل!

وفي مواجهة تلك الأزمات عقدت القمم العالمية بعد أن لفحت بلهيبها الكبار قبل الصغار، والأغنياء قبل الفقراء والدول الصناعية الشمالية قبل الدول النامية الجنوبية، قمم لمواجهة الأزمة المالية والاقتصادية، قمة العشرين في واشنطن بحضور بوش وبوصفات غير ناجعة.

وقمة للعشرين في لندن بحضور أوباما ولكن بغير اتفاق، وقمم لمواجهة الأزمة الغذائية آخرها في روما منتصف نوفمبر الماضي بينما عدد الجوعي في العالم يتزايد، وقمة لمواجهة الأزمة المناخية في منتصف ديسمبر في كوبنهاغن، لكن قمة الأزمة واجهتها أزمة القمة فانفضت بغير اتفاق!

وبينما كان حل الأزمات المختلفة خاضعا لاقتراحات واجتهادات سياسية واقتصادية عديدة، سواء من دول الشمال أو دول الجنوب، ومن دول الشرق أو دول الغرب، منها من يرى أن الحلول ممكنة في إطار الأمم المتحدة، لو توفرت لها الإرادات السياسية المتوافقة للخروج بنظام اقتصادي ونقدي وغذائي وصحي ومناخي عالمي جديد، لا يصممه الجزء القوي الغني لمصلحته على حساب مصلحة الجزء النامي والضعيف.

بل يتقرر بما يتوافق عليه الكل، القوي والضعيف والغني والفقير، لمصلحة الكل سواء من دول الاقتصادات الكبرى أو الصاعدة أو الناشئة، من دول الجنوب أو الشمال، ومن دول الشرق أو الغرب.

ولأن الأزمة المالية كانت كاشفة لبقية الأزمات، كالأنانية والطمع والجشع والاستغلال، وجلها تنبع من غياب الروادع الأخلاقية وفساد الضمائر الإنسانية، ولأنها كانت أميركية المنشأ.

فقد دعت الإدارة الأميركية التي تسببت في هذه الأزمة العالمية الخطيرة في عهد بوش، إلى قمة انتقائية لعشرين دولة لمساعدتها على الخروج من النفق وإعادة تنظيم النظام المالي العالمي، وهي الدول ذات الحجم الأكبر في الاقتصاد العالمي.

وتضم إضافة للدول الثماني الكبرى أقلية من الاقتصادات الصاعدة والنامية، كالصين والهند والبرازيل والسعودية، مع أن الغالبية من الحضور الأوروبي والآسيوي المرتبط بالنظام الرأسمالي المأزوم، والذي بات لا محالة بحاجة إلى تصحيح.

لهذا فإن العالم الآن الذي بات يعرف بعالم الأزمات من كثرة أزمات العالم، بدأ يشهد تغيرا يستدعي التغيير على قمته إن لم يفرضه، هذا إن لم يكن العالم قد تغير بالفعل في ملامح كثيرة، سواء قبل انكشاف الأزمات المالية والاقتصادية الأميركية في ظل معادلات جديدة للقوى الاقتصادية والسياسية والعسكرية الجديدة، أو بعد انهيار النظام المالي الأميركي.

وبالتالي النظام الرأسمالي الأوروبي والآسيوي التابع للنظام الأميركي، بما غير موازين القوى في المعادلات التقليد ية القديمة إلى موازين جديدة فرضت نفسها، سواء في دعوتها لقمة العشرين بدلا من الثمانية، أو في تبني الأمم المتحدة عبر وكالاتها المتخصصة مواجهة الأزمات الأخرى.

كالغذاء والمناخ بمشاركة جميع الدول الأعضاء المئة والاثنتين والتسعين وليست بصيغة الخمس الكبرى، أو الثماني الكبار أو العشرين الأكثر تقدم.. بعدما ثبت أن حل أزمات العالم لم يأت ممن صنعوها وإن كانوا هم المسؤولون الأوائل عن دفع ثمن علاجها.

خصوصا أن الذي تسبب في صنع الأزمات ليس مؤهلا أخلاقيا ولا هو صالح فكريا ولا هو قادر عمليا على وضع الحلول الصحيحة، بعدما ثبت له وللعالم أن سياساته أفلست ماليا واقتصاديا وسياسيا وحتى عسكريا، نتيجة إفلاسه الأخلاقي أولا ما نتج عنه كل هذه الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية والغذائية والبيئية والصحية والأمنية، التي تتحمل مسؤوليتها دول الشمال باعتبارها دول المنشأ.

ما يحل الأزمات العالمية هو تعاون وتكامل كل دول العالم الأعضاء في الأمم المتحدة مجتمعة، في شراكة عالمية تنتفي منها الأنانية والانتقائية والازدواجية، ويتحقق فيها التعاون والتكامل والندية، وليست دول الجنوب باعتبارها الدول التي دفعت الثمن مرتين.

مرة بنهب ثرواتها في العهد الاستعماري وبالاستعباد القسري لنقل الأيدي العاملة الرخيصة لصنع تقدم الشمال، ومرة حينما تدفع الآن الثمن المضاعف لكل هذه الأزمات في زمن الاستعمار الجديد في العهد العولمي لا العالمي، تحت وطأة الحروب وبسبب سيطرة الشمال وسوء سياسات الاستغلال السياسي والاقتصادي اللا أخلاقي واللا إنساني للجنوب.

وإذا كان ما أوضحه جيمس ولفنسون المدير العام السابق للبنك الدولي، من أن قيادة الدول الثماني الصناعية الكبرى للاقتصاد العالمي «قد أصبح شيئا من الماضي».. فهل بات أيضا من الماضي، النظام السياسي الدولي بقيادة الخمس الكبار للعالم من مجلس الأمن على حساب الصغار، والنظام الاقتصادي الرأسمالي التقليدي القديم أيضا بقيمه الربحية المادية بأي وسيلة، وبغياب القيم الروحية الدافعة والأخلاقيات الإنسانية الرادعة!

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com