على مدى عقود طويلة مضت، تسود في أسواق النفط العالمية قاعدة غير منطقية، وهي أن الكلمة للمستهلك وليست للمنتج، وقد فرضت الدول الصناعية الكبرى في الغرب الأوروبي المستهلكة للنفط هذه القاعدة منذ البداية بالقوة.
الآن تغيرت الظروف والأحوال وتغيرت معالم سوق النفط العالمية، فقد ظهر مستهلكون جدد للنفط من الدول النامية التي نمت فيها في العقود الثلاثة الماضية نسب الإنتاج الصناعي بشكل كبير، وأصبحت تنافس الدول الصناعية الغربية، وباتت حاجة الدول النامية الصناعية الجديدة لمصادر الطاقة تفرض نفسها على أسواق الطاقة العالمية، الأمر الذي استلزم تغيير القواعد في هذه الأسواق.
روسيا وهي من أكبر الدول المنتجة للنفط في العالم، استوعبت التغييرات الجديدة على الساحة وسعت بجدية للتعامل معها، وقد قام رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين يوم 28 ديسمبر المنصرم بتدشين خط أنابيب نفط روسي عملاق، لنقل النفط من الحقول النفطية في شرق سيبيريا إلى أقاليم الشرق الأقصى الروسية، وإلى ميناء روسي يطل على المحيط الهادئ ومنها إلى بلدان منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وبالإضافة إلى تدشين خط أنابيب النفط العملاق، أعطى بوتين إشارة البدء لتحميل أول سفينة ناقلة بالنفط الجاري ضخه عبر الخط الجديد. ويعتبر هذا المشروع بداية انفتاح عملاق النفط الروسي على الأسواق الآسيوية التي تزداد حاجتها للطاقة يوما بعد يوم، مما يعني أن روسيا تهرب بنفطها من ضغوط الأسواق الأوروبية إلى السوق الآسيوية الواعدة.
الخط الجديد الذي دشنه بوتين، يُعتبر واحدا من أكبر المشاريع التي تم تنفيذها في هذا المجال خلال السنوات الماضية، وفي افتتاح هذا المشروع العملاق قال رئيس الوزراء الروسي للصحفيين «هذا المشروع أكبر هدية للشعب الروسي ولروسيا في العام الجديد، وهو مشروع استراتيجي سيحرر النفط الروسي من ضغوط الأسواق الغربية ويفتح له أسواقا جديدة واعدة في آسيا والمحيط الهادئ».
وقام بوتين بإعطاء إشارة الشحن لأول ناقلة نفط من الميناء حمولتها 100 ألف طن لتتوجه إلى هونغ كونغ. ومع ارتفاع أسعار النفط وزيادة استهلاكه في الدول الآسيوية، يتوقع الخبراء أن تحتكر روسيا ما لا يقل عن نصف موارد هذه الدول من النفط في المستقبل، الأمر الذي يدفعها إلى الإنفاق بكثافة على مشاريع توصيل خطوط الأنابيب، لتوفير أسهل الطرق لتوصيل النفط لهذه الدول.
هذا في وقت الأزمة المالية العالمية، التي لا تستطيع فيها دول أخرى الإنفاق بهذه الكثافة على مثل هذه المشاريع العملاقة.
لقد سبق أن حذرت روسيا الأوروبيين بأنها قد تضطر إلى وقف ضخ النفط إلى بلدان الاتحاد الأوروبي، بسبب العراقيل التي تضعها دول الترانزيت التي تمر خطوط الأنابيب عبر أراضيها مثل أوكرانيا، إلى دول أوروبية مثل سلوفاكيا والمجر وجمهورية التشيك.
وقال الخبراء الروس إن تجارة الطاقة الروسية إلى أوروبا تخضع منذ سنوات لابتزازات سياسية أكثر منها اقتصادية، وأن الأوروبيين يسعون من وراء هذه الابتزازات إلى إساءة سمعة روسيا في أسواق الطاقة العالمية، خشية أن تفرض نفوذها على هذه الأسواق في المستقبل بما تملكه من احتياطيات عملاقة من النفط والغاز.
من المستبعد أن تُقبل روسيا على قطع إمدادات النفط عن أوروبا، ولا يمكن أن تصل الأمور إلى حد أن تنشب حرب نفطية بين روسيا وأوروبا، ولكن كل ما تريده وتسعى إليه روسيا هو أن يفهم الأوروبيون أن الكلمة الحاسمة في الأسواق ليست فقط للمستهلكين، ولكن أيضا للمنتجين والمصدرين.
وأنه قد آن الأوان لكي يعلم الغرب وخاصة الأوروبيين، أنهم ليسوا هم المستوردون الوحيدون للكميات الكبيرة من مصادر الطاقة، وأن هناك مستوردين آخرين يحتاجون لكميات كبيرة مثلهم. وهذا ما نادى به من قبل رئيس الوزراء بوتين وأسماه «ديمقراطية السوق»، بمعنى مراعاة مصالح الطرفين، المنتج والمستهلك معا.
خبيرة الطاقة الروسية