ما زالت صفقة تبادل الأسرى بين حركة حماس وسلطات الاحتلال الإسرائيلي تصطدم بعقبات مختلفة، بعد أن كانت جهود الوسيط الألماني قد قطعت أشواطاً هامة على صعيد التوصل النهائي لترتيبات الصفقة. وتتمحور التباينات حول مسألة رفض سلطات الاحتلال قبول إطلاق بعض الأسرى، من الذين وردت أسماؤهم في القائمة التي كانت حركة حماس قد قدمتها للطرف الإسرائيلي عبر الوسيط الألماني وعبر القناة المصرية.

فحركة حماس ما زالت تصًر على موقفها المتضمن إطلاق سراح الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومروان البرغوثي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، كما تصًر على تحرير قادة حركة حماس الخمسة من الضفة الغربية، (عبد الله البرغوثي، جمال أبو الهيجاء، حسن سلامة، حسن يوسف، ابراهيم حامد) وذلك ضمن من وردت أسماؤهم في صفقة التبادل، وهو أمر ما زالت ترفضه حكومة نتنياهو، التي لا تريد أن تظهر أمام قوى اليمين الصهيوني بمظهر الرضوخ لمطالب حماس، بالرغم من إبلاغ الطرف الإسرائيلي للوسيط الألماني موافقة تل أبيب المبدئية على إطلاق سراح القائمة الكاملة المقدمة من حماس بما فيها الأسماء المذكورة.

والأرجح أن المماطلة الإسرائيلية في التنفيذ تعود إلى محاولة بنيامين نتنياهو استباق تنفيذ الصفقة عبر تقريرها في إطار إجماعي داخل المجلس الوزاري المصغر، وتجنب وجود أي حالة من حالات المعارضة لإتمام الصفقة. كما يدرك نتياهو أن إتمام الصفقة سيعزز موقف حماس في الساحة الفلسطينية، وهو أمر لا يحبذه ايضاً. كما أن الإدارة الأميركية، وفق ما سرب من مصادر موثوقة، مارست ضغوطاً على إسرائيل لدفعها نحو رفض مطالب حركة حماس بالنسبة للإفراج عن أحمد سعدات ومروان البرغوثي، وعن عدد من الأسرى الفلسطينيين من مدينة القدس المحتلة، وذلك اعتقاداً منها بأن انجاز عملية التبادل والرضوخ لـ «مطالب حركة حماس» سيشكل عامل تعزيز لموقفها وسياستها في الشارع الفلسطيني.

ومع ذلك، فان التقديرات تشير إلى أن نتياهو متعجل على تنفيذ الصفقة، بالرغم من معارضة ثلاثة من أصل سبعة في المجلس الوزاري والأمني الإسرائيلي المصغر. ويلحظ أن معارضي إتمام صفقة التبادل هم في غالبيتهم من داخل المؤسسة الأمنية، وعلى رأسهم الجنرال مائير داغان رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (الموساد)، بينما يقف رئيس الأركان غابي أشكنازي في صف المؤيدين لإتمام الصفقة.

وفي هذا السياق، أشار استطلاع إسرائيلي للرأي جرى قبل أيام قليلة، إلى أن غالبية الإسرائيليين يؤيدون صفقة التبادل مع «حماس». وجاء في نتائج الاستطلاع الذي نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية يوم 24/12/2009، أن 76% من المشاركين أعربوا عن تأييدهم لإبرام الصفقة، في حين أعرب 14% عن معارضتها، ورفض 10% التعليق. كما أشارت نتائج الاستطلاع إلى أن 65% من الجمهور الإسرائيلي يرون أن أداء نتنياهو في مفاوضات صفقة التبادل جيد، بينما اعتبر 25% أنه غير جيد. ومن شأن نتائج الاستطلاع أن تشجع نتنياهو للمضي في إتمام صفقة التبادل.

وفي هذا المجال، فإن العديد المصادر المطلعة يؤكد أن رغبة نتنياهو في إتمام الصفقة والاستجابة لمطالب حماس، تعود في جانب كبير منها لفشل جيش الاحتلال في تنفيذ عملية اختطاف العسكري الأسير جلعاد شاليط، وإخفاق جهاز الأمن الإسرائيلي «الشاباك» في جمع أية معلومات تمكن من الوصول إليه.

وعلى ضوء التطورات الأخيرة، تشير مصادر فلسطينية موثوقة في لقاء خاص معها قبل أيام، إلى أن حركة حماس قامت الأسبوع الماضي بإبلاغ الوسيط الألماني موقفها النهائي، الذي أقرته هيئاتها القيادية في اجتماع عقد مؤخرا في دمشق وحضره رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل إضافة لوفد قدم من قطاع غزة. ومضمون الرد أن حماس ما زالت متمسكة بإطلاق سراح أحمد سعدات ومروان البرغوثي في صفقة التبادل، وبقية الأسماء في القائمة من قياداتها التنظيمية والعسكرية الموجودين في سجون الاحتلال. كما تصر على إطلاق سراح آمنة عبد الجواد منى، التي ما زالت سلطات الاحتلال ترفض إدراجها ضمن قائمة التبادل متهمة إياها بقتل الإسرائيلي عوفر راحوم عام 2001.

فضلاً عن أن حماس تصر على رفض إبعاد أي مناضل فلسطيني خارج فلسطين، من الذين يتوقع أن يتم تحريرهم بصفقة التبادل، وعدم تشريع هذا المنطق حتى ولو بالتفاوض. فالإبعاد من الناحية الوطنية والسياسية وحتى الأيديولوجية، يتعارض مع المبدأ الذي لا يتنازل عنه الشعب الفلسطيني وهو حق العودة، حيث يدرك الجميع الخطأ الذي ارتكبته السلطة الفلسطينية في إبعاد مقاومي كنيسة المهد عام 2002 عند الاجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية المحتلة، في سياق عملية «السور الواقي» التي قادها الجنرال شارون وأدت لمحاصرة الرئيس الراحل ياسر عرفات ومن ثم استشهاده.

في المقابل، فإن أكثر القيادات الفلسطينية من مختلف الفصائل، تنصح بخروج بعض المحررين خارج فلسطين أو إلى قطاع غزة حتى يكونوا بمنأى عن عمليات الاغتيال الإسرائيلية المتوقعة ضدهم حال خروجهم من السجن الإسرائيلي وبقائهم في الداخل الفلسطيني، خصوصاً بالنسبة لأحمد سعدات وقادة كتائب القسام (جمال أبو الهيجاء، إبراهيم حامد، عبد الله البرغوثي، حسن سلامة)، مذكرين بما حصل قبل أيام في نابلس عندما قامت قوات الاحتلال بتصفية ثلاثة من أعضاء كتائب الأقصى، سبق أن تم إطلاق سراحهم مع الدفعات التي أطلقتها إسرائيل قبل عامين في سياق المفاوضات مع السلطة الفلسطينية.

ومع ذلك، من الواضح أن فترة التفاوض مهما طالت، فإن صفقة التبادل في الطريق إلى التنفيذ في نهاية المطاف.

كاتب فلسطيني ـ دمشق

bdwan60@aloola.sy