الحرية هي أن تؤمن بما تعتقد، وأن تمارس حريتك في تعاملك مع الواقع والناس في حدود القانون وحرية الآخرين، وعدم تعارض حرية الفرد مع حرية المجتمع.
وهي قيمة سامية وحق للإنسان في هذه الحياة، أكدتها الأديان والقوانين عبر العصور، بيد أن هذه القيمة قد تعرضت لانتهاكات من بني الإنسان لحقوق الإنسان، سواء من السلطات أو الأفراد أصحاب النفوذ أو القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي مكنتها الظروف في فترات زمنية من الاستغلال والسيطرة واحتكرت الحرية كما تفهمها لتمنعها عن الآخرين، وأصبحت بعض تلك القوى سلطة فوق السلطة أو من خلالها ودولة داخل الدولة.
واستمرت في فرض أجندتها، لأن المصلحة السياسية المشتركة قد مكنتها من ذلك، ما يعني أن الطرف الثالث، وهم الناس والقوى الأخرى المؤمنة بالحرية، قد تكون ضحية لهذا الواقع.
لقد مرت تجارب التاريخ التي طعنت فيها حرية الأفراد والجماعات، مثل تجارة الرقيق وحجز حرية العبد، وقتل وتشريد الأحرار، والضغط والتضييق على الإنسان في إبداء رأيه في قضاياه وقضايا مجتمعه، ليتمكن البعض بالثروة والسلطة معاً من ضرب الحرية، لأنها لا تسمح باستغلال من أحد على حساب الآخرين.
وحتى لا يكون الكلام هنا عاماً وطوباوياً، فلننظر ماذا حدث للحرية في عالمنا العربي؟ بل متى كانت هناك حرية حقيقية حتى تسلب وتشوه وتحارب هذه القيمة الإنسانية؟
بما ان قيمة الحرية نسبية فقد مارسها الإنسان في مختلف الازمان والمناطق، ولكن المشكلة هناك في من يقف ضد الحرية لأنها لا تسمح له باستغلال الظروف لمصالحه على حساب المجتمع. لا بد أن تتوفر الحرية للإنسان كي يحصل على قوت يومه وضروريات الحياة الأخرى بكرامة، ولا بد أن يقول الإنسان رأيه في أحواله وأحوال مجتمعه، في أي سلم اجتماعي أو ثقافي وبطريقته التي يفهمها الآخرون من حوله.
ومشكلة العالم العربي هو الازدواجية في حياة الفرد والجماعة، حيث تجمع الأضداد الذين يتحدثون عن الحرية ويضربونها في آن، حيث يظهر مفهومهم للحرية الذي هو في حقيقة الأمر ضد الحرية الحقيقية.
كيف ندعي أن لدينا ديمقراطية وتنص قوانيننا ودساتيرنا على الحرية، ثم نضربها وننتهكها رأياً وفكراً؟! هل يمكن أن نفصل الحرية عن الديمقراطية أو أن نوجد نظاماً ديمقراطياً بدون الحرية؟ ثم كيف تمارس الجماعات الدينية السياسية ضغطاً على حرية الرأي والفكر، لأنه يتعارض مع مفهومها وفكرها وأساليب عملها، بينما يدعو الدين إلى الحرية الحقيقية لكل الناس؟
لقد احتكرت تلك الجماعات حرية فكرها وعملها واستغلت الظروف لصالحها، لتمنع حرية الرأى والفكر عن الآخرين، وتدعي أنها تؤمن بالديمقراطية! كيف تمنع تلك التيارات والجماعات مفكراً أو صاحب رأي من أن يقول رأياً؟ ومحاربتها له إلا تدل على عجزها عن مواجهة الحجة بالحجة، وخوفها من أن يكشفها ويعريها الفكر المستنير، ويظهر التناقض بينها وبين الدين الذي تدعي أنها تمثله وتدافع عنه، وهي في حقيقة الأمر تعمل ضد قيمته الحقيقية تسييساً للدين واستغلالاً له؟!
إن محاربة قوى الإسلام السياسي المتزمته لحرية الرأي والفكر الحر، قد استشرت في عالمنا العربي وفي منتطقتنا على وجه الخصوص، وإن قوة هذا المد في هذه المرحله قد أخافت بعضاً ممن هم في مواقع القرار، وسمحت بابتزازهم من قبل قوى ضاغطة.
وهذا يفترض أن يؤدي إلي استنهاض قوى التنوير والحرية الحقيقية لمواجهة التحدي، لأن صناعة الحرية وصيانتها لا تكون بالركون والانحناء للعاصفة أو الفعل ورد الفعل، بل التحدي بوعي وبوسائل سلمية تعتمد الفكر والرأي الحر طريقة لوضع حد لذلك التيار الذي يجر مجتمعاتنا بشدة إلى الخلف، ويشيع التخلف لأن اشتراء التخلف يوجد مناخاً وبيئة صالحة لنشاط تلك القوى.
إن الأمر وصل حد تسفيه ومحاربة الفكر الإسلامي الحر، وليس الفكر المضاد لثقافة تلك القوى الدينية السياسية.
وقد يرى البعض أن تلك المحاربة قد دفعت الكثيرين لقراءة هذا الفكر والتعرف عليه وهذه ظاهرة إيجابية، لكن ذلك لا يعنى السكوت على النهج المعادي لحرية الرأي والفكر. كما أن المشكلة أيضاً في بعض من يدعي الليبرالية والثقافة ويخضع لابتزاز وضغط تلك الجماعات المتسيسة!
لا بد من وجود دتيار تنويري حر في المجتمع ينشر التنوير، ويضغط للحفاظ على حرية الرأي والفكر، يعمل ولا ينتظر نتيجه عمله. مع كشف ومواجهة الممارسات التي تقوم بها قوى التخلف في المجتمع أياً كان مصدرها وحجمها وتأثيرها، بأساليب فكرية سلمية وبصورة مستمرة. كما تجب تربية الأبناء في مراحل التعليم على مفهوم الحرية واحترام الرأي الآخر، إضافة إلى فهم قضية الحرية على أنها قضية حياة، فلا يمكن أن يقف النضال من أجلها ولا يمكن أن تقف محاربتها من أعدائها، ويجب أن تنتصر في النهاية.
كاتب كويتي