في ذكرى وفاته، نتساءل لماذا هذا التجاهل وهذا التهميش وهذا النسيان وهذا النكران، لشخص بحجم الرئيس الجزائري هواري بومدين، الذي ضحى بالنفس والنفيس وأعطى كل ما يملك، والذي أسر قلوب الجزائريين ووهب حياته من أجل كرامة واستقلال بلده!

فلولا المؤتمرات السنوية التي ينظمها الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية في 27 ديسمبر من كل سنة، لما كان هناك كلام عن الرجل ولا ذكر لاسمه ولا لسيرته. فمنذ وفاته لم تبذل السلطة الجزائرية أدنى جهد لإعطاء الرجل حقه من التاريخ، والاعتراف بمسيرته النضالية والثورية والسياسية لما يزيد على عقدين من الزمن.

كان يعني التكامل الاقتصادي لبومدين الاستقلال الاقتصادي، والاستقلال السياسي بدون استقلال اقتصادي لا يعني شيئا. وأهم إنجاز تاريخي قام به بومدين هو تأميم المحروقات، وتحدي الفرنسيين الذين كانوا يسيطرون على استغلال آبار البترول والغاز في الصحراء الجزائرية الكبرى.

فالفرنسيون لم يصدقوا أعينهم عندما استغني عنهم بومدين، وبمساعدة بعض الدول الصديقة واصلت الجزائر استغلالها لمحروقاتها بكامل سيادتها. وكان هذا الإنجاز درسا للدول العظمى وللشركات متعددة الجنسيات التي كانت تنهب خيرات دول العالم الثالث بأبخس الأثمان، الأمر الذي دفع الرئيس بومدين ومن على منبر الأمم المتحدة في نيويورك لأن يطالب بنظام اقتصادي عالمي جديد، وأن يكشف للعالم وبالأرقام أن النظام النقدي العالمي والتبادل العالمي والعلاقات الاقتصادية الدولية، تعاني كلها من عدم التوازن والتكافؤ.

كان بومدين يؤمن بضرورة التوازن الجهوي وعدم التركيز على منطقة دون أخرى، وخاصة عدم التركيز على المراكز الحضرية أو الشمال وتجاهل المناطق الداخلية والجنوبية والنائية والصحراوية، حيث أن الجزائر هي ثاني دولة من حيث المساحة في إفريقيا.

وتعتبر الخدمة الوطنية أو الخدمة العسكرية من أهم الآليات التي اعتمدها الراحل بومدين، لتكوين جيل جديد من الشباب لا تفرق بينه لا الجهات ولا الطبقات الاجتماعية، ففي الخدمة الوطنية كان يلتقي ابن الفلاح بابن البورجوازي، وابن الشمال بابن الجنوب و«الشاوي» بـ «الوهراني» و«القبائلي» بـ «الميزابي» الخ.

ومفهوم الخدمة العسكرية عند بومدين لم يكن يتحدد في الثكنة العسكرية والجيش، وإنما كان يرى في الخدمة العسكرية بناء الوطن، كالمساهمة في بناء الطريق الصحراوي من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ليكون بوابة الجزائر للقارة الإفريقية، وكذلك بناء السد الأخضر، وهو عبارة عن شريط أخضر يقطع الجزائر من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق، وعرضه 20 كيلومترا من الأشجار والأحراش لمكافحة زحف الصحراء نحو الشمال، أي تصحر الجزائر.

كما ركّز الراحل بومدين على تعميم ودمقرطة التعليم وتوفيره للجميع، ومن خلال هذه السياسة أتيحت الفرصة للفقير وابن الفلاح للجلوس على مقاعد الدراسة جنبا إلى جنب مع مختلف الفئات الاجتماعية، وأدت هذه السياسة إلى تكريس العدالة الاجتماعية وإتاحة نفس الفرص لجميع أبناء المجتمع، بدون تمييز ولا تفرقة.

كان المرحوم بومدين يرى في سياسة التعريب استكمالا للسيادة الجزائرية، واسترجاعا لهويتها وشخصيتها وعروبتها.

فبعد استقلالها وجدت الجزائر مشاكل عويصة ومعقدة تراكمت على مدى أكثر من قرن من الزمن، وهكذا وجدت نسبة كبيرة من نخبتها المثقفة والقائدة والفاعلة، لا تعرف شيئا عن اللغة العربية أو عن أصولها وتاريخها، ووجدت القلة القليلة من النخبة المثقفة باللغة العربية نفسها محاصرة من قبل الفرانكوفونيين والفرانكوفوليين، وهكذا ظهرت في الجزائر ازدواجية اللغة بمفهوم سلبي، حيث تم تسييس هذه الظاهرة، وأصبحت الأمور تسير وتنفذ انطلاقا من مفهوم المفرنس والمعرب.

وظهر مصطلح «الفرانكوفيل» تعبيرا عن أذناب فرنسا وبقاياها المدافعين عن مصالحها، رغم رحيلها من أرض المليون ونصف المليون شهيد. بومدين لم يكن معاديا للفرنسية، حيث كان يتقنها جيدا ويستعملها في أحاديثه الصحافية مع الصحافيين الأجانب، لكنه كان يعتبرها وسيلة وقناة للتواصل كغيرها من اللغات الأخرى، أما العربية فكانت بالنسبة لبومدين هي روح الجزائري وجسده.

كانت اللغة العربية بالنسبة للرئيس الراحل، هي الجزائري نفسه وبدونها فإنه فقد هويته وبذلك فقد نفسه. وينطلق بومدين في هذه الإشكالية من مبدأ أن الذي يكتب أو يتكلم بالفرنسية فإنه يفكر بالفرنسية، وبذلك يلبس بالطريقة الفرنسية ويأكل الأكل الفرنسي ويشرب الشراب الفرنسي، وأخيرا يتقمص أو يذوب في شيء اسمه فرنسا أو الفرنسي.

هكذا إذاً، كانت للرجل رؤية واستراتيجية، وكان يحلم دائما بمناصرة الفقراء والمساكين والمستضعفين، سواء على مستوى بلده الجزائر أو على المستوى العربي أو القاري أو العالمي. ذلك الرجل الذي وقف على منبر الأمم المتحدة سنة 1974 مطالبا بنظام اقتصادي عالمي جديد، يضع حدا للاستغلال والبطش والابتزاز الذي تمارسه الدول العظمى على حساب الدول المستضعفة والفقيرة والمغلوبة على أمرها، بسبب نهب وسرقة تلك الدول التي تسمى بالمتقدمة. لا ننسى كذلك أن الجزائر في عهد المرحوم بومدين، لعبت دورا بارزا في حل العديد من الأزمات الشائكة والعويصة، وكانت الوسيط في حل العديد من المنازعات والصراعات الإقليمية والجهوية.

كيف ينسى التاريخ هواري بومدين وهو الذي تحدى فرنسا وأمّم المحروقات في 24 فبراير 1971؟ وهو الذي وضع مشروع بناء الألف قرية فلاحية للمزارعين الجزائريين الذين عانوا من ويل الاستعمار الفرنسي الغاشم وجردوا من أراضيهم؟ كيف ننسى بومدين وهو الذي قال «أؤمن بالمساواة في تعليم أبنائنا، إنه لا يعقل أن ابن الفقير يرعى قطيع الغنم بينما ابن الغني يذهب إلى المدرسة»؟ فمن ينسى ديمقراطية التعليم إلى الطب المجاني إلى التوازن الجهوي؟!

وخير دليل على شهامة الرجل ومروءته وقدرته في تسيير شؤون الشعب والبلاد، أن الجزائر ما زالت وفية لـ «البومديينية» ولما كان يتوفر فيه من مواصفات القيادة والرؤية الثاقبة والقرار الرشيد والكاريزما. أفلا يستحق هذا الرجل فيلما، بل أفلاما تروي حياته وانجازاته لشباب الجزائر وللعالم؟ ألا يستحق هذا الشهم مؤتمرات دولية تناقش فكره ورؤاه، يحضرها من عرفوا الرجل وعملوا معه ومن حاوروه وكتبوا عنه؟

التاريخ، مع الأسف الشديد، لا يرحم صانعيه، والانتهازيون يعرفون دائما كيف ينسبون أعمال الآخرين إليهم، وكيف يزيفون ويشوهون التاريخ ويكتبونه لصالحهم. رحم الله الفقيد هواري بومدين وأسكنه فسيح جناته.

عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae