تحية طيبة لسكان الأرض، أما بعد.. منذ بدء الخليقة وتكاثر البشرية على الأرض، أخذ الإنسان يتفكر في ما حوله من نعم الله سبحانه وتعالى، ومن خيرات الطبيعة التي حاول أن يستكشف ما ينفعه منها ويفيده في حياته اليومية، فاستعمل الحجر والشجر واستغل البحار والأنهار، وجال بفكره للتوصل إلى طريقة تعينه على العيش وسط هذه الخيرات.
فبدأ يكسر الصخر ويقطع الشجر ويغوص في البحار ويتسلق الجبال، واستحدث آلات بدأت معها مسيرة التعمير، وتكاثرت البشرية وتوسعت المستوطنات البشرية فبدأ تسلط الإنسان على الطبيعة، وكانت البداية بتقطيع الأشجار أو حرقها لاستغلال الأراضي. ولم يكتف الإنسان بما على الأرض، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، فحفر باطن الأرض ليكتشف ما يمكن أن يستخرجه وينتفع من ورائه.
هذه الاستكشافات المستمرة والتمتع بخيرات الطبيعة على مر الزمن وتوالي الحقب والعصور حتى العصر الحالي الذي نعيش فيه، والحضارات التي قامت وتوالت، لم يشعر الإنسان بما يفعله في الأرض، فقط كان يستكشف ويتمتع باستكشافاته، والأرض ما زالت تعطيهم، ولكن لم يسمع احد منهم أنين الأرض، بل كلما أنّت الأرض كلما زادت الاكتشافات.
عندما تغضب الطبيعة وتهب العواصف بشتى أنواعها، وتحدث الفيضانات وتثور البراكين وتتزلزل بواطن الأرض، يقف الإنسان حائراً أمام هذا الغضب، وإن حاول أن يصد أو يفعل ما قد يشعره بهذا الخطأ أو يوقف ولو جزءا بسيطا من هذه الانفعالات الطبيعية، ولكنه لا يستطيع أن يتحكم فيها عندما تحدث.
ثم بدأ يفكر في غزو الفضاء واكتشاف كواكب أخرى قد تشبه الأرض وما تتمتع به، لتعين الإنسان على العيش فيها، ولكنه لم يستطع وان كان ما زال يصر على الغزو والاستكشاف. إثر هذه الثورات العلمية والصناعية وتسارع الحياة ونمو البشر وتكاثرهم بشكل غير عادي، بدأت الأرض تفقد بعض مظاهرها الطبيعية الخلابة والبيئة النظيفة والهواء النقي.
وبدأت مشكلة عوادم المصانع والآلات والسيارات والطائرات التي غزت الفضاء المحيط بالأرض، وازدادت حركات التنقل بهذه المواصلات التي احتاجت إلى اكتشاف واستخراج النفط والغاز ومشتقاتهما، وبدأت الحروب الناتجة عن تسلط الإنسان على غيره ونزعة حب التملك لديه، ما أدى إلى التفنن في اكتشاف الأسلحة التي تحقق هذه الرغبات، مما أثر على أمكم الأرض وخيراتها، بعد أن ساهمتم في البدء بمشاكل كنقص الاوكسجين وثقب الأوزون وذوبان الجليد، والاحتباس الحراري وزيادة التصحر.
وقد أدى ذلك إلى زيادة معدلات درجات الحرارة وزيادة في فيضان البحار والأنهار، مما سيؤدي إلى اختفاء بعض المسطحات والأراضي والجزر وانهيار جبال جليدية، وأنتم لم تحسبوا حساب هذه الأيام القادمة، وإن كان هناك بعض الجماعات والمجموعات الحكومية والخاصة المنادية بالحفاظ على البيئة، إلا أنها حركات تتسم بالخجل ولا تلقى التشجيع والدعم الكافي.
الأرض أمكم وستبقى تحتضنكم وتحتاج إلى رعايتكم، لكن هذه الرعاية غير كافية الآن. فقد بدأ بعض الكائنات الحية والحيوانات من مختلف الفصائل يواجه الانقراض، بسبب إهمال الإنسان وبسبب الصيد الجائر والعشوائي.
كما أن مجموعات من الكائنات التي كانت تعيش بسلام وتتكاثر بصورة طبيعية، أصبحت الآن لا تجد البيئة المناسبة للعيش، وإن استمر الحال على ما هو عليه فسيختفي أغلب هذه الكائنات ومظاهر الحياة التي تمتعتم بها، وطالما تغنى بها الشعراء والكتاب.
وفاضت مشاعرهم الجياشة مما لمسوه من جمال الطبيعة الإلهية، فأبدعوا روائع خالدة حفظها لنا التاريخ إلى الآن، كما كانت مدعاة للتأمل والاكتشافات من قبل علماء الطبيعة والفيزياء وعلم الفلك، ودراسة سر الوجود وتكوين الأرض وباطنها وكل ما شغل تفكير كل من تعاقب في الحياة على الأرض.
إليكم أبنائي سكان الأرض، أبعث رسالتي لتتعاونوا في إنقاذ ما يكمن إنقاذه، لتبادلوا العطاء بعطاء ولتساهموا في وضع خطط مستقبلية تساهم في البقاء على البيئة السليمة والمستدامة، لتعينكم على الحياة وتعيد للأرض رونقها وجمال طبيعتها الخلاب، وتتمتع بهوائها النقي والخالي من الغازات والسموم التي تراكمت مع الأيام وأثرت على الأوكسجين وعلى استنشاق الهواء النقي.
ولنعطي مجالاً للآخرين للاستمتاع والإبداع في رؤية جمال الطبيعة، والتفنن والتغزل في ما تراه العين ونترك للأجيال القادمة استكمال طريق البقاء والمحافظة على الأرض وخيراتها ومكتسباتها، ولتبقى العلاقة بيني وبينكم مليئة بشعور الود والحب والرغبة في الحفاظ على الطرف الآخر وعدم فقدانه.. عندها سوف تدركون أن نعمة وجودكم في هذا الكوكب الصغير، كانت من أكبر نعم الله سبحانه وتعالى عليكم.
كاتبة إماراتية