تتسم النظرة المركزية بقصور شديد يجعلها ترى العالم من منظورها الخاص المحدد، وهو أمر اتسمت به المركزية الأوروبية بدرجة كبيرة، من خلال دعوتها الدول النامية لتبني نموذج التنمية والتحديث على الطريقة الغربية.

وترتكز هذه النظريات على أن تطور المجتمعات المتخلفة وانتقالها من التقليد إلى التحديث، لا بد وأن يتبع النهج الغربي في التنمية، متجاهلة بشكل متعسف طبيعة الظروف التاريخية التي تفارق بين مجتمع وآخر وبين ثقافة وأخرى.

ورغم ذلك فقد كانت المركزية الأوروبية تستند في مركزيتها إلى تفوق حضاري مادي ومعنوي، سمح لها بفرض رؤاها وتنظيراتها على الفضاء الكوني، وهو أمر لا نجد له معادلا في المركزية الإسلامية المعاصرة.

تعني المركزية الإسلامية تلك النزعة الانعزالية التي يتبناها البعض من الإسلاميين، والتي تستند في جانب أساسي منها إلى تعاليم الإسلام، سواء عن فهم صحيح أو خاطئ، والرامية إلى نبذ الآخر الغربي المسيحي من ناحية، ونبذ الاتجاهات الفكرية المغايرة لها داخل المجتمعات الإسلامية، بما في ذلك الاتجاهات ذات المنطلقات الإسلامية من ناحية أخرى.

ورغم تعارض تلك النزعة مع كونية الدعوة الإسلامية وروح الإسلام الصحيحة الداعية للتواصل مع الآخرين، فإنها للأسف تلقى رواجا وتكتسب زخما يوما بعد يوم في عموم الأقطار الإسلامية، في ظل التردي الحضاري المتواصل في العالم الإسلامي المعاصر.

فالتدهور الحادث في المجتمعات الإسلامية يساعد ويغذي العزلة والانسحاب، ويمهد الطريق بشكل عميق نحو التمركز حول الذات والانغلاق على تصوراتها الضيقة.

كما أنه يساعد على استشراء الجمود الفكري والحياتي، ويطلق فكر الخلاص من الحياة ويقضي على بهجتها والتمتع بها، وهو أمر يبدو واضحا من خلال الكثير من السلوكيات العدائية المستشرية الآن في كافة الدول الإسلامية، سواء على مستوى الفكر أو السلوك.

وتستند المركزية الإسلامية على مجموعة من الأسس، تبرر من خلالها وجودها وانكفاءها المتواصل على ذاتها. يأتي الجانب الأخلاقي في طليعة هذه الأسس التي تبرر من خلالها المركزية الإسلامية ذاتها وانعزالها عن الآخرين، بل ورفضهم ونبذهم في الوقت نفسه.

فهناك تصور شائع بين من يتمترسون خلف المركزية الإسلامية بأنهم الأفضل أخلاقيا وإنسانيا وحضاريا، رغم أن جملة سلوكياتهم تبرهن على العكس تماما، سواء من خلال سياقات الحياة اليومية أو من خلال تعاملاتهم العدائية نحو الآخر الغربي، أو حتى تجاه من يتبنون الاتجاهات الإسلامية المتعارضة مع توجهاتهم وتفسيراتهم.

وترتبط بالجانب الأخلاقي سمة أخرى مرتبطة بالنظرة المثلى الواحدية والخطية للعالم. فالتصور الأخلاقي لا يسمح بتعددية الرؤى بين المؤمنين به، كما لا يسمح بقبول الرؤى الأخرى المغايرة والمضادة. في هذا السياق يسهل توجيه التهم للآخرين والاستهزاء بهم والنيل منهم.

وهو التوجه نفسه الذي قامت من خلاله المركزية الأوروبية بتبرير استغلالها لشعوب الأرض ونهب ثرواتهم، مع اتهامهم في الوقت نفسه بالتخلف والتدني العرقي والديني، بما يبرر هذا الاستغلال ويؤدي لتقبله بين الملايين من المستغَلين حول العالم. فالمركزيات تسعى دائما لتحقيق أهداف ذاتية، لا تدعم التواصل مع الآخرين ولا تحقق النتائج المشتركة المرجوة.

وتؤدي تلك النظرة الأخلاقية والخطية للعالم، إلى المزيد من التخندق والانعزال. فعلى الرغم مما يبدو من اتساع الجماعة الإسلامية والمنتمين لها، فإنها تتضاءل من خلال تلك الجماعات الضيقة جدا التي تفرض رؤاها على الآخرين وتتحكم في مجريات أمورهم. وهو أمر يؤدي في النهاية إلى استشراء أدران الأنظمة العربية الاستبدادية نفسها بين هذه الجماعات. الغريب في الأمر هنا أن الأمر ذاته ينطبق أيضا على التيارات المسيحية الأخرى في المنطقة، وهو موضوع يحتاج لتناول آخر مفصل.

تقود كل هذه الأسس السابقة لمسألة على قدر كبير من الخطورة، تتم بالتعارض مع أسس المركزية الأوروبية. فإذا كانت الأخيرة قد أسست مركزيتها من خلال مشروع استعماري موسع وعالمي، يرتكز على آلة عسكرية متوحشة وخطاب تحديثي ليبرالي مكنها من فرض سيطرتها على مساحات هائلة من العالم .

ومن تبرير استغلالها للآخرين، فإن المركزية الإسلامية المعاصرة مركزية متوهمة افتراضية، لا تستند إلى أية أسس مادية قوية قادرة على المواجهة وصياغة خطاب ديني متوازن ومتسق؛ فهي مركزية قائمة ومؤسسة فقط في عقول القائمين عليها أو المستفيدين من نشرها والترويج لها.

وللأسف الشديد فإن هذه المركزية تستند في التحليل النهائي على مشاريع غيبية تدعهما أوهام القائمين عليها، وبشكل خاص ما حققه السلف في فترات وأجواء تاريخية ماضية، وما يرتبط بذلك من ترويج لخطاب نموذجي أخلاقي لا يتسق مع ممارساتهم، ولا مع واقع المسلمين المتردي حول العالم.

ويستفيد الغرب بدرجة أو بأخرى من تصاعد خطاب المركزية الإسلامية والترويج لها، ففي ظل وجود مركزية غربية مدججة بالسلاح والقوة العسكرية ترتكز إلى العلم والتحديث والفكر التنويري المستنير، يصبح من المفيد التهويل من شأن المركزية الإسلامية الضعيفة، طالما تسهل السيطرة عليها والاستفادة من خطابها المتهاوي، في المزيد من التوسع الغربي في العالم الإسلامي والنهب المنظم لثرواته وخيراته.

وهنا يفرض السؤال نفسه: هل تعمل المركزية الإسلامية المعاصرة لصالح المركزية الغربية وبالتنسيق غير المعلن معها؟ وإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فكيف يتم ذلك؟ وما هي آليات التواصل السرية لذلك؟ أسئلة تصعب الإجابة عنها، على الأقل في المرحلة الراهنة.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com