ما هي الإشكالية التي تعاني منها المجتمعات العربية، على مدى نصف قرن من الزمان؟ أهي تتعلق بالجانب السياسي، أم الاقتصادي أو الاجتماعي؟
أم أنها تتعلق بتلك الجوانب معاً، بالإضافة إلى غياب الرؤية المستقبلية فيها، نظراً لضعف القوى الفاعلة التي تصنع المستقبل وتخطط له على الأقل، وعلى رأس تلك القوى المجتمع المدني بقيادة الطبقة الوسطى، التي حرصت الحكومات والقوى الغيبية في المجتمع أن لا يكون لها دور فاعل في أغلب الأقطار العربية، لا سيما تلك الدول المحورية التي تسعى للحفاظ على حقها في قيادة الأمة، بعد أن فقدت مقومات تلك القيادة، وهي حرية اتخاذ القرار وفي أمورها هامشية في بعض الأحيان!
الذي يدفع هذا التساؤل إلى السطح، هو الأحوال التي استمرت راكدة، وكأن هذه المجتمعات تعيش خارج إطار التغير والتطور، فمن الملاحظ، وللأسف، أن الإنسان العربي اليوم يترحم على المراحل الماضية ويلعن الحاضر، ويخشى المستقبل، بل إن حالات اللا مبالاة أصبحت سائدة، لا سيما وأن الخاص قد تغلب على العام، وأن الإنسان أصبح يهتم بشؤونه الخاصة وأموره المعيشية أكثر من اهتمامه بالشأن العام.
ففي الفترة التي كانت الاتجاهات القومية أو اليسارية هي التي تحكم الشارع، لم يتحقق لهذه الأمة التقدم أو التطور، وظل الإنسان يدفع ثمن ذلك الصراع الدائم بين مختلف الاتجاهات السياسية، وخاصة في دول المركز: القاهرة، بغداد، دمشق وبيروت، وهذه الأخيرة كانت تحتضن كل التيارات.
وإليها يلجأ كل من يجد العسف والجور والملاحقة من السلطة في بلده، ولذلك فهي التي برز منها معظم الدراسات والكتب التي تدعو إلى التغيير، وفي الوقت ذاته تتم فيها التصفيات السياسية بين مختلف الإخوة الأعداء.
وخلال هذه الفترة بدأت الهجرة المعاكسة نحو الغرب، سواء للولايات المتحدة الأمريكية، أو أوروبا (خاصة فرنسا، بريطانيا، ألمانيا) أو أستراليا، حيث نزحت القوى المتنورة التي لم تجد لها مكاناً في وطنها يستفيد من إمكاناتها العلمية والعملية.
وهذه كانت هي الهجرة الثانية للعرب بعدما التأكد من عدم تحقيق الحلم العربي في التنمية بمفهومها الشامل، ولم تتحقق الوحدة، بل ازدادت المشاريع القُطرية، حتى القوى السياسية والتي استطاعت أن تصل إلى السلطة عن طريق الانقلاب العسكري، أعادت حلقة الصراع إلى نقطة الصفر.
ولعل هذه الأسباب مجتمعة، ساهمت في بروز التيار السياسي الإسلامي، وخاصة «الإخوان المسلمين»، وجعلت العديد من الفئات الاجتماعية، وخاصة الفقيرة منها تكون تحت تأثير الإخوان، سواء في الدول ذات الكثافة السكانية أو ذات الثراء.
وبدأت مرحلة جديدة تعتمد على محاربة كل القوى القومية واليسارية، تحت حجة محاربة «الكفار» تارة أو تحت حجة فشل المشروع القومي واليساري تارة أخرى، فبعد أن فشلت الإقطاعية والبورجوازية الوليدة في الحفاظ على مكتسبات الثورة العربية.
ومنع سقوط فلسطين في أيدي الصهاينة بمساعدة الدول الحليفة لهم، والتي وضعتهم على الكراسي، فإن القوى القومية واليسارية فشلت أيضاً في انجاز مشروعها في الوحدة القومية، بل إن جميع مشاريع الوحدة التي أبصرت النور ماتت في مطلع الفصل الثاني من القرن العشرين، قبل أن تحبو ودفنت .
وهي في المهد، ولم تستطع أن تسترد فلسطين، بل عوضا عن ذلك لم تستطع أن تمنع العدو الصهيوني من التوسع في الاستيلاء على أراضٍ جديدة في غزة وسيناء والضفة والجولان واحتلالها، حتى أصبحت تهدد عاصمتين عربيتين، ودخلت عاصمة عربية ثالثة كانت من أغلى العواصم العربية على قلوب الجماهير!
وعوضا عن مواجهة هذا العدوان بالوحدة، واجهته الأمة بالشرذمة والقُطرية، وبأن يبحث كل طرف عن الخلاص لنفسه، حتى لو كان ذلك على حساب الأشقاء والقضية التي كنا نسميها القضية المركزية الأولى وهي قضية فلسطين.
ولعل من تابع تلك المعارك يدرك الخطورة التي أسهمت في خلق جدران بين أبناء المجتمع الواحد، والتيار السياسي الإسلامي وجد ضالته في هذه الأجواء، فلقد حاول أن يصور للناس أن جميع المشاريع قد فشلت. فقد فشلت الإقطاعية والحكومات الرأسمالية العربية التي حكمت بعد الاستقلال، وفشلت الحركات القومية والحركات اليسارية، والأممية، ولم يبق أمام العرب الحالمين بالخلاص سوى تسليم أمرهم لهذا التيار الجديد، الذي رفع راية الخلاص للجماهير وفتح أمامهم بوابات الجنة والنعيم.
واعتبر هذا التيار أن جميع القوى القومية واليسارية الآفله ضده، وعليه محاربتها مستخدماً لغة «إن لم تكن معي فأنت ضدي». ولإتمام الضربة القاضية والإجهاز على ما تبقى من الحركات القومية واليسارية، لجأ العديد من الحكومات العربية إلى خلق تحالف مع التيار السياسي الإسلامي، في مواجهة التيار الوطني (القومي واليساري) حيث أمكن ذلك.
ومما زاد من قوة ذلك التيار، أجواء الحرب الباردة التي أثرت في مرحلة الثمانينات من القرن الماضي، والتي استعملت فيها الرأسمالية العالمية الإسلام لمواجهة خصومها في تلك الحرب ضد الاتحاد السوفيتي، وقد عمت الفرحة صفوف التيار الإسلامي عند سقوط هذا الكيان، الذي كان يقف في وجه المشاريع الاستعمارية في المنطقة.
فهل حققت القوى السياسية الإسلامية أحلام المواطن العربي؟
إن المصيبة الكبرى، أن هذه الأحزاب ركبت موجة المشاركة السياسية من خلال الأطر الديمقراطية، ودولة الكويت نموذج واضح لذلك.
والآن يبدو جلياً أن تلك الجماعات كانت تمتلك أجندة خاصة بها، وهي الإعداد للدولة التي يحلمون بها، ومن هنا فقد وضعت العصا أمام المجالس والبرلمانات، وبدأت بطرح قضايا بعيدة عن هموم المواطن، واستخدمت كل الوسائل لقمع من يقف ضدها، تارة بتوجيه الاتهام بالعلمانية أو الإلحاد، وأخرى بوسائل زائفة يدركها كل متابع.
فهل يعقل، على سبيل المثال، وجود المئات أو الآلاف من البشر في دولة غنية ما زالوا يطالبون بسكن؟ أو مئات من العاطلين عن العمل؟ وهناك دول كانت في المقدمة أصبحت الآن تعيش فترة ما قبل التنمية، وعادت إلى مرحلة الرعايا بدلاً من المواطنة.
أليست هذه نماذج لمعاناة الإنسان العربي في معظم الدول العربية، ويبدو أن نصف قرن من الاستقلال، لم يستفد منه المواطن سوى اليأس، بالرغم من تعدد أشكال الأنظمة السياسية وتنوعها في الوطن العربي.. إلاّ أن الإنسان لا يزال يحلم.
أستاذ علم الاجتماع السياسي
