رئاسة الاتحاد الأوروبي «الدوّارة»، وصلت ابتداء من مطلع هذا العام 2010 إلى اسبانيا، للمرّة الرابعة منذ انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي عام 1986. وتأتي هذه المرّة بعد الرئاسة السويدية، وستستمر حتى نهاية شهر يونيو القادم، حيث تنتقل بعدها إلى بلجيكا لستة أشهر تالية، ثمّ إلى هنغاريا ـ المجر.

الرئاسة الإسبانية للاتحاد الأوروبي ليست كالسابقات، فهذه هي المرّة الأولى التي سيكون فيها للاتحاد الأوروبي، إلى جانب الرئاسة التقليدية بالتعاقب بين دوله كل ستة أشهر، رئاسة «دائمة» ممثّلة بهيرمان فان رومبي، البلجيكي الذي جرى اختياره كرئيس للمجلس الأوروبي في الشهر الماضي، ولمدّة عامين ونصف قابلة للتجديد مرّة واحدة. وكذلك اختيار البريطانية كاترين اشتون كممثل أعلى للسياسة الخارجية الأوروبية.

التجديد الدستوري الذي فرضته اتفاقية برشلونة كبير بلا شك، لكن آلية العمل تبدو أكثر تعقيدا، ذلك أن مهمة «رئيس أوروبا» الدائم، هي بالتعريف «إعطاء صوت ووجه للاتحاد الأوروبي وتمثيله على المسرح الدولي وترؤس وتنسيق أعمال المجلس الأوروبي». بالتالي ما هو الهامش الذي يبقى للرئاسة الدورية في هذه المجالات كلّها؟

إن إسبانيا هي أوّل دولة أوروبية تواجه امتحان الإجابة عن هذا السؤال الدقيق. وكان رئيس مجموعة «الخضر» الهامّة في البرلمان الأوروبي، دانييل كوهن بينديت، قد وصف التداخل في المهام والصلاحيات على مستوى مركز القرارات في الاتحاد الأوروبي، بأنه «أكبر نقطة ضعف في اتفاقية برشلونة».

السطور الأولى في الإجابة الأسبانية عن السؤال المطروح، جاءت على لسان وزير الخارجية الإسباني ميغل انخيل موراتينوس، الذي أكّد القول أنه لن تكون هناك أيّة «منافسة» بين السلطات الإسبانية والمؤسسات الأوروبية الجديدة، بل سيكون هناك «تكامل». فماذا سوف يقول واقع الممارسة؟

رغم التعبير بكل الأشكال والمناسبات عن النوايا الطيّبة، ونشر مقال مشترك لرئيس المجلس الأوروبي ورئيس حكومة إسبانيا في ست صحف أوروبية كبرى يوم 4 يناير الجاري، للتأكيد على التضامن والتعاون، فإن المسؤولين الإسبان، وفي مقدّمتهم خوسيه لويس ثاباتيرو، يؤكّدون أن إسبانيا تريد أن تلعب دورها كاملا في رئاسة الاتحاد الأوروبي. وقد حددت أولوياتها بتشجيع النمو الاقتصادي الأوروبي ودفع عدّة ملفات إلى الأمام، خاصة العلاقة مع بلدان المغرب العربي، ومسيرة السلام في الشرق الأوسط، وتنشيط الاتحاد من أجل المتوسط، والعلاقات بين الاتحاد الأوروبي وأميركا اللاتينية، ومسألة ترشّح تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي.

المشاريع طموحة. ومن الواضح أن إسبانيا تلعب ورقتين أساسيتين في تحديد أولوياتها، هما ورقة الجوار الجغرافي مع بلدان جنوب وشرق المتوسط العربية، وورقة البعد التاريخي مع بلدان أميركا اللاتينية الناطقة ـ ما عدا البرازيل ـ باللغة الإسبانية.

لكن الحكومة الإسبانية تريد قبل كل شيء أن تستفيد من فترة رئاستها لأوروبا، من أجل استعادة المواقع التي خسرتها مؤخرا على صعيد شعبيتها في الداخل. إن مجمل استطلاعات الرأي الأخيرة التي أُجريت في اسبانيا، تدلّ على تراجع هام للحزب الاشتراكي العمّالي الاسباني ـ حزب ثاباتيرو ـ وتقدّم الحزب الشعبي اليميني، حزب المعارضة الأساسي.

بالتوازي، يعرف الوضع الاقتصادي الاسباني تراجعا كبيرا هو الآخر، ويتفق الخبراء الاقتصاديون عموما على القول إن جميع مؤشرات الاقتصاد الاسباني هي «على الأحمر»، وأن نهوضه من جديد سيتأخر عن أغلبية البلدان الأوروبية الأخرى. ويوجد في اسبانيا اليوم حوالي 4 ملايين عاطل عن العمل، هذا في الوقت الذي كانت فيه إسبانيا تفتخر قبل أقل من عامين، بأنها على وشك اللحاق بفرنسا، بل وبألمانيا.

وفي مثل هذه الظروف تجعل الحكومة الاسبانية الحاليّة من رئاستها للاتحاد الأوروبي رهانا سياسيا أساسيا. وكان ثاباتيرو قد بدأ التحضير لهذا «الموعد» منذ العام الماضي، حيث قام فيه بنشاط دبلوماسي وزيارات للخارج أكثر من كل سنوات رئاسته للحكومة. ومن الواضح أن ثاباتيرو «لن يتخلّى لأحد عن مكانه إلى جانب الرئيس باراك أوباما، في الصورة التذكارية التي ستشهدها قمّة الاتحاد الأوروبي المقررة مع الولايات المتحدة»، حسب تعبير دبلوماسي أوروبي نقلته عنه مجلة «لوبوان» الفرنسية.

المرجّح هو أن الرئاسة الإسبانية للاتحاد الأوروبي، ستكون فترة «انتقالية» تتسم بقدر كبير من استمرارية آليات العمل السابقة، رغم وجود المؤسسات الأوروبية الجديدة. لكن التغيير الحقيقي في اتجاه تفعيل الإطار الدستوري الأوروبي، سيكون مع رئاسة بلجيكا بعد ستة أشهر، حيث ستكون حكومتها «في خدمة» موقع هيرمان فان رومبي، البلجيكي.

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr