عندما أطلق فوكوياما تصوره ل«نهاية التاريخ»، كان محور فكرته أنه يبشر بقرب ظهور ما أسماه «الإنسان الأخير»، أي تنميط العالم كله ليظهر إنسان عالمي واحد، هو ابن عالم الديمقراطية الليبرالية والرأسمالية.

لكن الإنسان الأخير كمرادف لنهاية التاريخ، يبدو أنه بدأ في الظهور بالفعل، لا بوصفه ثمرة عالم الديمقراطية والرأسمالية، بل بوصف الإنسان الأخير بيولوجيا، أي الإنسان الذي يسقط من حساباته نهائيا مهمة «استمرار النوع»، ويقرر الإحجام طواعية عن الإنجاب.

وهذا الإحجام الممنهج عن الإنجاب، لعله في التاريخ الذي يتبلور فيه فصل تام بين الزواج والإنجاب، وبالتالي فقد نكون قاب قوسين أو أدنى من ظهور «الإنسان البيولوجي الأخير»!

والبداية كانت استطلاع رأي نشرت نتائجه الحكومة اليابانية، كشف عن أن 8, 42% من اليابانيين يعتقدون أن لا حاجة للإنجاب بعد الزواج، وأن أكثر من 60% من النساء اليابانيات في سن العشرين والثلاثين يدعمن هذا الرأي.

والاستطلاع أجري بمشاركة خمسة آلاف رجل وامرأة في العشرين وما فوقها. وثمة إشارة إلى زيادة مؤيدي هذا التوجه بنسبة 6%، مقارنة باستطلاع للرأي تم إعداده حول هذا الموضوع عام 2007.

وقد أظهر الاستطلاع الجديد أيضا أن 2, 68% من النساء في العشرينيات و4, 61% في الثلاثينيات، يعتقدن أن إنجاب الأطفال ليس أساسياً بالنسبة للزواج، وأن 5, 46% من النساء و7, 38% من الرجال، لا يعتبرون الإنجاب من الأمور الأساسية بعد الزواج. وعند الإجابة عن سؤال: ما إذا كان الإنجاب ليس ضرورياً دائماً بعد الزواج، كانت نسبة المؤيدين 6, 56% من الرجال في سن العشرين و3, 56% من النساء في الثلاثينات.

والإجابات تعني الكثير بالنسبة لدلالاتها الثقافية والاجتماعية. وأول دلالاتها أن إنسان العصر الحديث أكثر جرأة من سابقيه على إطلاق الأحكام القطعية التي تقيم علاقة وصل أو فصل بين المفاهيم، فنسبة من رأوا الفصل بين الزواج والإنجاب كبيرة بشكل يلفت النظر.

ومن الناحية الاجتماعية، فإن المجتمع الياباني كان حتى وقت قريب مضرب المثل عالميا في الجمع بين الأصالة والحداثة، ودائما كان يشار إلى المرأة اليابانية كنموذج للمرأة الشرقية، التي لم تغيرها التحولات الاقتصادية الاجتماعية الضخمة التي شهدتها اليابان بعد الحرب العالمية الثانية.

وبالتالي فإن ظهور إنسان «جسماني» يركز في المقام الأول ـ وربما الأول والأخير ـ على حياته هو، مفصولة عن سياق ما بعدها وأفق ما بعدها، منعطف في المفاهيم ستتبعه نتائج خطيرة، ستؤثر دون شك على مستقبل اليابان.

فالتوازن السكاني، الذي هو حصيلة السلوك الإنجابي للأفراد، يحدد مدى قدرة المجتمع على توفير الأيدي العاملة للصناعة. وإذا كان عجز أوروبا عن توفير هذا الرصيد الكافي من الأيدي العاملة لماكينة الصناعة قد أدى لفتح أبوابها للمهاجرين، فإن هؤلاء المهاجرين قد تحولوا من أرقام إلى وجود ثقافي واجتماعي وشارات هوية تؤرق القارة الكبيرة: الحجاب، النقاب، المآذن، الخ...

وعليه فإن اليابان، وهي من أكثر مجتمعات العالم تحفظا إزاء الغرباء، يمكن أن تجد نفسها، بسبب الحاجة للأيدي العاملة، تحتضن هويات وثقافات تفتح الباب لفصل مزعج من التاريخ الياباني. والتوازن السكاني، فضلا عن ذلك، يحافظ على التوازن القائم بين الشباب وكبار السن، وهو توازن له تأثيرات اقتصادية مهمة.

ومن نتائج الاستفتاء أيضا وجود إجماع على عدم جعل الزواج عائقا أمام تقدم المرأة في عملها، واعتراض 1, 55% من المشاركين على الرأي القائل بأن على الرجل العمل، وعلى الزوجة البقاء في المنزل للعناية بالأسرة، بينما طالبت نسبة 3, 63 من النساء الحكومة بدعم المتزوجات اللواتي لديهن أطفال.

الطريف أن الخوف من ظهور «الإنسان البيولوجي» كان موضوع قلق أعمق في موسكو، دفع الكرملين لاعتباره قبل عامين المشروع الوطني الأهم. وإذا كانت طوكيو ترصد وتهتم، فإن موسكو قد انتقلت إلى مرحلة أخرى، هي مرحلة التخطيط الديمغرافي، وأصبحت هناك سياسة ديمغرافية روسية للفترة حتى عام 2025. والتخطيط أقر بأمل كسر النزوع المقلق نحو انخفاض عدد سكان البلاد التي بدأت تظهر بوضوح في العقود الأخيرة.

وبلغة الأرقام، كان سكان روسيا 9, 141 مليون نسمة عام 2007، وكان أكثر توقعات الأمم المتحدة تفاؤلا يؤكد أن عدد سكان البلاد سيتراجع إلى 113 مليونا منتصف القرن الحالي، أما أكثرها تشاؤما فيشير إلى 96 مليونا فقط. وكان من أهداف التخطيط أيضا رفع متوسط عمر الإنسان من 66 إلى 70 عاما.

ومن النتائج الاقتصادية التي انتبه لها الروس مبكرا، أن الوتيرة العالية لتناقص عدد السكان قد تنعكس سلبا على الاقتصاد الروسي الذي قد يعاني نقصا حادا في الكوادر المؤهلة.

والقضية تكتسب أهمية متصاعدة، مع غياب التوازن بين حريات الأفراد وضرورات استمرار النوع البشري، خاصة وأن أمما أقل تقدما وتعليما يزداد سكانها بمعدل كبير، وأخرى هي الأكثر تقدما يقل عدد سكانها. وبالتالي فإن الغرب يوشك أن يدخل نفق الإنسان البيولوجي، وقد يكون أقرب إلى التحقق من إنسان فوكوياما الأخير. وتلك نهاية التاريخ.. لكن على الطريقة اليابانية!

كاتب مصري

mmshikh@hotmail.com